إنك قد تنشأ في الجحيم لكن بوسعك أن تغدو ملاكا ً

جين

جين آيير روح برونتي الروائية التي سيّجت نفسي بأنين الريح و وحشة الليل و زنابق الحقول وغناء القمر . رواية تحكي قصة طفلة دميمة تتفتح عيناها على هذه الدنيا لتبصر نفسها يتيمة دونما أقرباء هكذا يلقي بها القدر على دروب مهجورة من العواطف مسكونة بأشباح الوحشة لتنفذ إلى أعماقها وتحيطها بحالة من التوحد و العزلة . تعتاد نظرات الانتقاص و الاحتقار لها من الآخرين تعتادها دونما انهزام أو شعور بدونية الذات بل هو الاعتياد الذي يكسبها الحصانة من الألم ليورثها الاستقلال و إنصاف النفس . جين ترغمك على أن تصغي لها تبكي معها و في النهاية لا تملك إلا أن تقف لها إجلالا ً . شخصية فذة خلقتها برونتي لتلقن الأجيال درسا عظيما ً : إنك قد تنشأ في الجحيم لكن بوسعك أن تغدو ملاكا ً !

هذه الرواية مشبعة بالروح الدينية المسيحية حتى آخر سطورها . و إذا أردنا أن نبحث عن فكرة عامة تكون المركز الذي تدور حوله الرواية فهي فكرة الدين . الصراع بين طبيعة الإنسان و رغباته وأهواءه وبين الالتزام بالدين الذي يهذب كل هذه الرغبات و الأهواء . هذا ظاهر في كل منعطفات حياة البطلة الفاصلة , في مدرسة لو وود الداخلية التي يديرها راعي لكنيسة . وهنا تتمثل هيلين الإنسان الذي غرس في جين تعاليم المسيح و جعلها تتصالح معها . 

 هيلين من أجمل الشخصيات و يمكن أن تشارك جين بطولة هذه الرواية وذلك في نظري لسبب واحد هو أنها الوحيدة التي قاست مع جين أحد الامتحانات القاسية التي مرت بها ولم تسقط بل استطاعت أن تحقق الكمال الإنساني ذلك الكمال الذي يتخطى الجزئي إلى الكلي وتلك الروح التي تشرق كأحد الأنوار الإلهية وكأنها تسخر من ضعف الإنسان و التي منحت لجين التوازن النفسي و الطمأنينة , وعلمتها شيئا ً غيـّر مسار حياتها القادمة و صنع منها تلك البطلة المتوهجة وهو : كيف تنتصر على الآخرين و على كل بؤس بالفضيلة والفضيلة وحدها تلك هي الفكرة التي بهرتني و صفقت لها طويلا في كل مشهد رغم بكاء جين و ألمها إلا أنني فرحت كيف حققت الكمال الإنساني و أثبتت أنها تشربت روح هيلين النقية . الفضيلة المثال الأعلى الذي كانت تطمح إليه جين . من كان ليلوم طفلة في الثامنة عشرة لو استسلمت لإغراء رجل ثري نبيل الأصل يجن ّ بها حبا ً و جدت لديه كل ما كان ينقصها وهو يتوسل إليها في ضراعة تدمي القلوب ولكنها تأوي إلى الفضيلة : 

كنت أجتاز محنة قاسية لقد اعتصرت فؤادي يد حديدية ملتهبة وكانت لحظة رهيبة ملأى بالنضال و الكآبة والاحتراق إنّ أيما كائن بشري قدر له أن يحيا على سطح هذه الأرض لم يكن في ميسوره أن يطمع في أن يلقى من الحب أكثر مما لقيت ولقد عبدتُ أنا بكل مافي الكلمة من معنى ذلك الذي أحبني هذا الحب كله . ومع ذلك فقد كان علي أن أشيح عن الحب وعن المعبود في آن معا . … أنا أحفل بنفسي وكلما اشتد توحدي و قل أصدقائي و عُدمت من يعيلني ازداد احترامي لنفسي سوف أتشبث بالشريعة التي سنها الله , و أقرها الإنسان . سوف أتعلق بالمبادئ التي لقنتها يوم كنت عاقلة , لا و أنا مخبولة كشأني اليوم . إن الشرائع و المبادئ لم تُجعل للأوقات التي يُـفتقد فيها الإغراء : لقد جُعلت للحظات مثل هذه اللحظة عندما يتمرد الجسد و الروح على قسوتها والحق أنها صارمة و مصونة ً سوف تظل

لقد انتصرت على إغراء الحب , و إغراء المال حين ورثته وقسمته على أبناء عمتها و على الكراهية والانتقام وهي تقبـّل زوجة خالها الظالمة و تمنحها الغفران التام وهي على فراش الأبدية بل انتصرت حتى على ممثل الدين القس سانت جون ذلك المبشر الذي ينذر حياته لمجد الله و يرى الخلاص في أن يكون من المبرئين من الخطيئة و يهتف كرسول المسيح المخلص : “ إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه و يحمل صليبه و يتبعني ” . و هاهي كلماته تجد سبيلها في التأثير وهو يضع يده على رأسها . هاهي الملائكة قد أشارت و أصدر الرب أمره و التفــّت الحياة كطومار , و فتح الموت أبوابه مظهرا ً مرأى الأبدية وبدا أن السعادة تكمن هناك في التضحية بكل شيء ليأتي ذلك الصوت صارخا ً باسمها من أعماق الليل لتنتفض من الخدر فتهتف : 

” أين أنت ؟! 

كل ماتذكرت جين لاحت لي صورتها وهي تفلت من سانت جون . وتعدو إلى الحديقة الخاوية وتهتف في لهفة : أين أنت ؟! إنه صوت لم ينبعث من الهواء ولم ينبثق من الأرض كانت صرخة واحدة فقط تنهدت بعدها الريح و سكن الليل , لكنها كانت كافية ! لم تكن رغبة القس هي إرادة السماء !
لقد استبان الحق واتضح السبيل .

لقد كانت جين آيير صورة متكاملة عن المجتمع الإنجليزي في القرن التاسع عشر , المسكونة بالموت والحياة و الأمل واليأس بكل الصراعات الإنسانية التي لا تهدأ .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نوال ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s