ادوارد سعيد – لا سقف للريح

 

الاستشراق - ادوارد سعيد

 

كتاب الاستشراق الذي يحلو للبعض تسميته بالكتاب العمدة لإدوارد هو من أعظم كتبه وأشدها تأثيرا ً و فاعلية في الوسط الثقافي الغربي وقد أثار ردود فعل كثيرة لالتزامه المعروف عنه بالجرأة النقدية دون محاباة مما خلق له معجبين وخصوم , وشدة وهجه كلما مررت ُ بذكره وارتباطه دوما باسم البروفسور إدوارد سعيد ذلك المفكر العالمي وأبرز مثقفي هذا العصر هو ما جعله لدي كلغز معلق مثير لفضول القراءة فقررت البدء به ولا يمكنني أن أصفه الآن بعد أن أنتهيت منه بأقل من الفتنة التي استمتعت كثيرا بتجربتها رغم صعوبة اللغة السردية و عمق المخزون الاصطلاحي الذي تتمتع به كتبه دائما ً وعلى الأخص هذا الكتاب .

ساهمت دراسات ادوارد سعيد في إعادة تشكيل كتابة التاريخ في العقدين الأخيرين و خاصة ذلك التاريخ الذي يُكتب ويُشذب و تعاد مراكمته كمخزون معرفي و مرجعي متخذا موضوعه (الآخر) – والآخر هو كل ما لا ينتمي للغرب – بكل ما ينضوي تحت الآخر هذا من وجود و تراث وحقائق و دلالات لأمة أو حضارة أو جنس . كان التاريخ الأوربي يكتفي بدراسة الحضارتين الإغريقية و الرومانية حتى عصر التنوير الذي ضم إلى هاتين الحضارتين الحضارة العربية الإسلامية و الحضارة الصينية ليوسع أفق دراسته الإنسانية بعد أن كان هذا العلم يحتقر الشعوب الأخرى غير الأوربية من هنا جاءت البداية لتأسيس علم الاستشراق .

ادوارد في تناوله للإستشراق الذي مارسه الغرب لفترة طويلة بشكل معرفي و في صورة تدعي لنفسها الموضوعية والتجرد و الالتزام بالحيادية – وهو ما أظهرالكتاب إلى أي مدى كانت زائفة و هشة في بنيتها أو مضادة تماما لما ادعته لنفسها – ركز في استقرائه على الثقافة التي أ ُنتجت من خلال هذا الفرع من فروع المعرفة أكثر مما ركز على موضوع البحث وهو الشرق وهذا أعتقد لموقفه المعادي لمسألة التمركز على الذات وهو ما هاجمه كنقطة سلبية في عمل المستشرقين من حيث تركيز المستشرق على ذاته الغربية , بمعنى أنه يرى أنه عليك أن تكتب عن الآخر لا عن نفسك كشرقي و أتذكر أنه تحدث ذات مرة عن هذه النقطة فيما يخص المثقفين العرب وانتقدهم بشدة لإنهم وإن تحدثوا بلغة أخرى كالفرنسية أو الإنجليزية إلا أن أحدهم يبقى يتحدث عن عالمه العربي فيـُنظر لهم بسبب هذا على أنهم مخبرين محليين.
إذن هذا الكتاب لم يكن عبارة عن تاريخ كامل للإستشراق ولمفكريه أو دراسة للشرق الفعلي و المقارنة بينه وبين ما هو عليه في أعين الغرب بمعنى التطابق بين الاستشراق و الشرق وهذا ما كنت أتصوره عندما شرعت بقراءته فتبين لي أنه أكثر من أي شيء كان وسيلة لفهم الطريقة التي مارست بها القوى الغربية من خلال أدوات معرفية ( كالبحث العلمي مثلا ) الهيمنة على الشرق و إحكام السيطرة عليه هذا من جهة , ومن جهة أخرى فإن الكتاب يدرس المشاكل الجوهرية في الثقافة الغربية وما تحويه من مفارقات حين يتعلق الأمر بالشرق ففي حين أن الغرب يضع مبادئ أساسية لتطوره الحضاري والعلمي فإن هذه المبادئ تغيب بشكل يدعو للسخرية عند معاينة الشرق ودراسته لتظهر في إطار من السلطة و الفوقية و العنصرية العرقية .
بدا مشروع الكتاب هزيلا ً غير واعد عندما بدأ إدوارد بتأليفه في شتاء 1974 م , و وجد صعوبة في اجتذاب اهتمام ناشر جاد يقبل الكتاب , ثم تلا ذلك سنة 1975 م – 1976 م التي كانت أخصب سنواته عمره الفكرية حيث حصل على منحة تمكنه من قضاء تلك السنة في كاليفورنيا متحررا ً تماما ً من واجبات التدريس وتوفر له في برنستون ” مركز دراسات علم السلوك ” المساعدة في مجال السكرتاريا و خدمات البحث فقضى تلك السنة بأكملها يقرأ فقط كل ما يتعلق بـ ” الشرق ” . تلك الفترة كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد بدأت وأخذت تدمر العالم العربي كما عرفه وعاش فيه قبل أن يهاجر إلى أمريكا . وقد لاحظ أن ما كان يُكتب حينها في وسائل الإعلام الأمريكية لا يتوافق مع ما يجري في الشرق الأوسط وما يعرفه عنه .
الإشكالية تكمن في أن الشرق و الإسلام بالذات ليس له تعريف محدد ولذلك فقد أصبح مجال للتأويل متنازع فيه و لإن المختصون في هذه المنطقة تتطلب منهم مهنتهم كمستشرقين أن يقدموا لمجتمعهم صورا عن الشرق ومعرفة به فإن المستشرق في هذه الحالة يقوم بتقديم : ( تمثيلات للشرق ) لكن هل كانت تلك التمثيلات توافق حقيقة الشرق حقا ًًًً ؟! و هل قام أحد بنقد تلك التمثيلات ؟ وإلى أي مدى أثرت في مستقبل الشرق ؟
لم أكن أدرك تماما الأهمية الكبيرة لإجابات تلك الأسئلة كأسئلة مصيرية رغم أنني كنت ُ أتحسس بعض ظلالها فيما أقرأه في بعض الكتب و الروايات لكتـّـاب أوربيون حينما يتماس السرد بنقاط التقاء مع عالمنا . فقبل أشهر كنت أقرأ كتاب مئة وهم حول الشرق الأوسط من إصدار دار الساقي لقد ذهلت إلى أي مدى بلغ جهل المؤلف بالإسلام حين تحدث مثلا عن الخمر والحجاب . و َرواية كرواية الغريب للروائي والكاتب الوجودي الفرنسي ألبير كامو استوقفني فيها تجاهله السافر للشخصية العربية ففي مشهد قتل ( ميرسو) للعربي الذي بسببه حُكم عليه بالإعدام لم يتنازل كامو حتى لدرجة أن يضع اسما ً لذلك العربي إنه العربي وحسب !
” ودون أن ينهض أخرج العربي سكينه و أمسك بها تحت الشمس فكان الضوء ينعكس فوقها وكأنه نصل طويل ملتهب قد امتد ليصيب جبهتي , في تلك اللحظة راح العرق المتجمع بين حاجبي يسيل فوق جفوني و يغطيها بحجاب دافئ سميك فلم أعد أرى شيئا خلف تلك الستارة من الدموع المالحة لم أعد أشعر إلا بضربات الشمس فوق جبهتي والبريق الخاطف المنبعث من السكين الممدود لمواجهتي ذلك البريق الذي كان يحرق رموشي و يخترق عيني المتعبتين في تلك اللحظة بالضبط حدث ما حدث ”

العربي يحضر في الأحداث ليس ككينونة مستقلة تحمل هوية بل مجرد شيء ينتمي إلى الإنسانية و إلى العرب تحديدا كتصنيف لا أكثر !! هذه أمثلة سريعة وقد وضحت لي كيف لمثل هذا وغيره أن يقدم صورة لنا في الغرب وهذا هو ما يدعوه إدوارد في هذا الكتاب بــ : التمثيل , إن الفكرة الرئيسية التي يثبتها الكتاب إظهار إلى أي مدى كان هذا التمثيل للشرق فاسدا ً ناقصا ً و مشوها ً , والهدف الذي أراد أن يتوصل إليه أن يساعد في إصلاح نظام الهيمنة و إساءة التمثيل و الذي يدعى بالإستشراق و استبداله كما قال إدوارد بفضاء يسمح لنا نحن العرب أن نكتب تاريخنا الخاص بأنفسنا .

 

نوال الحربي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s