تأثير فوكو على إدوارد في كتاب الاستشراق

تنزيل
تحليل إدوارد سعيد في هذا الكتاب يدور حول أمر جوهري وهو العلاقة بين المعرفة والقوة ليثير تساؤل مهم هل كان الاستشراق عمل بحثي وعلمي بريء أم أنه يخفي داخله تواطؤ مع الإمبريالية الغربية ويساهم في المجال السياسي الهادف لإستعمار الشرق ؟!
لست ُ أستغرب هذا التشكيك الجريء من إدوارد وهو المولع قبل كل شيء بهذا فمن عباراته التي أحببتها في كتابه الآلهة التي تفشل دائما ً قوله : ” ما يستوقفني كشيء ممتع أكثر هو كيفية الاحتفاظ بحيز في العقل ينفتح للشك ولجزء من السخرية الشكية ” هذه السخرية الجميلة التي يطلقها أحيانا ً بعد اقتباسه لمقطع ما كانت تخفف من الجو الفكري الصارم لكتابه وتمنحني علاقة حميمية معه لكني أعترف بحدته في النقد رغم احترامه الذي يدعو للإعجاب لمن يختلف معهم أو ينتقدهم .
تتبع إدوارد نصوص كثير من المستشرقين كـ : غوبينو , رينان , همبولدت, موير , دوزي , فايل , بالمر , بيرنوف , جب , ماسينيون , لورنس , لويس .
اجتمعت لديّ المتعة الكبيرة بتحليله الذكي لدلالاتها بقدر ما أثارت نفوري في البداية مما حملته تلك النصوص من تمييز عنصري بشكل ظاهر على أساس العرق أو الدين ضد الشرقي أو العربي أو المسلم , وما تضمنته من أحكام مسبقة بناءا ً على خبرتهم الطويلة من خلال إقامتهم في الشرق وتعاملهم مع أفراده مما يمنح أحكامهم ثقة لدى مجتمعهم الأوروبي دون أن تكون هناك أدلة حقيقية على صحتها من داخل الشرق نفسه أو الإسلام . مما أشعرني بأن الجهاز الفكري المرجعي للاستشراق هش ّ أو كما يصفه إدوارد بــ : ( الرقيق رقة الورق ) و أذكر هنا مثال واحد على هذا من مقطع لباحث يدعى وليم روبرتسن سميث :

” إن المسافر العربي مختلف عنا . فجهد الانتقال من مكان إلى مكان بالنسبة إليه إزعاج صرف وهو لا يشعر بمتعة في بذل الجهد كما نشعر نحن و يتذمر من الجوع و التعب بكل قواه كما لا نفعل نحن وليس في وسعك أن تقنع الشرقي أبدا أنك حين تترجل عن راحلتك قد تكون لديك رغبة أخرى سوى أن تجلس القرفصاء على بساط فورا و تستريح تدخن و تشرب وعلاوة فالعربي قليل التأثر بالمناظر الطبيعية أما نحن فتأثرنا بها عميق ”
شعرت و أنا أقرأ هذا المقطع بإحساس عارم بالتفاهة و محاولة تسطيح الطبيعة الإنسانية للشرقي فقط لإنه ( شرقي ) بنظرة استعلائية بغيضة لا مسوغ لها منطقيا و يكفي تعليق إدوارد بعد هذا المقطع بقوله :
” نحن كذا وهم كذلك أي عرب ؟ أي إسلام ؟ متى وكيف و تبعا لأي اختبارات : كل هذه تبدو تمييزات لا علائقية بالنسبة لتقصيات سميث و تجربته في الحجاز فالنقطة الحاسمة هي أن كل ما بوسع المرء أن يعرفه أو يتعلمه عن الساميين و الشرقيين يتلقى تعزيزا موثقا لا من سجلات المحفوظات فقط بل من الواقع الميداني 
الشيء الغريب هنا كيف لمثل هذه التصورات رغم كل ما هو واضح فيها من السذاجة المفرطة أن تصبح من المسلمات في الثقافة الغربية مع كل ما تميزت به هذه الثقافة من الذكاء و التفوق العلمي و الرصانة البحثية , مسلـّمات تقبل كحقيقة لا تحتمل الجدل ؟! هذه النقطة بالذات هي ما أستطيع القول أن أحدا َ من الباحثين لم يسبق إدوارد في تفسيرها بشكل مذهل .
فقد اعتمد على مفهوم فوكو في الخطاب و من يقرأ حول الاستشراق لإدوارد سيجد أن كثير من النقاد يذكرون هذا و يربطون دوما ً بينه و بين ميشيل فوكو حتى أن ويكيبيديا نفسها وضعت اسم إدوارد ضمن أسماء من تأثروا بهذا الفيلسوف الفرنسي الذي هو من أهم فلاسفة القرن العشرين . وكان لإدوارد الفضل في تعرفي عليه . فوكو من تلاميذ نيتشه وضع دراسات في حالات اجتماعية كالجنون والسجون وقدم نظريات غيرت في المجال الفلسفي كان تخصصه الطب النفسي المرضي قبل أن يتحول إلى الفلسفة ورغم شذوذه الجنسي الذي أنهى حياته مبكرا ً إلا أنه حصل على مناصب عدة كإدارة المعهد الفرنسي في أكثر من دولة كان يطرد منها أحيانا ً بسبب شذوذه وكان أستاذا ً في الكوليج دي فرانس التي حاضر فيها حتى وفاته , وبالإضافة إلى بعض الآراء التي يتفق إدوارد معه فيها فإن الشيء الآخر الذي يتشابه فيه الرجلان بالنسبة لي هو عملهما الأكاديمي ففوكو مثل إدوارد كان في قاعات الجامعات أستاذا ً ذا أسلوب ساحر في الحديث يجتمع حوله مئات الطلبة في انشداه تام . من أهم كتبه : ” الكلمات والأشياء ” الذي ذكر إدوارد بعض أفكاره في دراسته للأديب جوزيف كونراد الذي كان معجبا ً به و أرجو أن أقرأ يوما ً شيئا ًمن رواياته , ” حفريات المعرفة ” الذي بحث فيه بنية الخطاب , ” المراقبة والعقاب ” الذي قسم فيه العقاب إلى نوعين عقاب ملكي , الذي يقمع الجماهير بوحشية في الزمن الماضي , و العقاب المدني الذي يمارس في العصر الحديث .
أعود لتأثير فوكو على إدوارد في كتاب الاستشراق يقول فوكو عن مفهوم الخطاب – و أذكره هنا لأنه بنصه ليس موجودا في الكتاب – :
” أفترض إن إنتاج خطاب مجتمع ما هو إنتاج مراقب أو منتقى ينظمه المجتمع و يعيد توزيعه في سلسلة إجراءات تستهدف الحد من سلطات الخطاب و مخاطره و التحكم في احتمالات حدوثها و إخفاء مادية الخطاب الثقيلة الرهيبة ”
لكن ما الذي يعطي أفكارا عن الشرق قوة في المجتمع لتصبح خطابا رائجا غير قابل للنقاش بغض النظر عن صحتها ؟ يتكون ذلك حين تصدر مؤلفات تحمل أفكارا عن الشرق وعندما تثبت صحتها فقط من خلال نجاحها في الانتشار , فإن سلسلة أخرى من الكتب تصدر وهكذا , مما يؤدي لخلق ثقافة أو فهم عام عن الشرق يتلقاه القراء بثقة خصوصا حين يكون لهؤلاء العلماء الخبرة التي عادة ما يصحبها سلطة الجامعات والحكومات فيعطيها هالة من سمو المكانة وبهذه الطريقة تتشكل المعرفة عن الشرق , ومع مرور الوقت تتراكم هذه المعرفة لتغدو تراثا أو كما يقول إدوارد :
” ما يسميه ميشيل فوكو إنشاء يكون وجوده أو ثقله المادي لا الأصالة التي يتمتع بها مؤلف ما مسؤولا في الحقيقة عن النصوص التي تنبع عنه ” . ولهذا قام في هذا الكتاب بدراسة هذه النصوص التي أنتجها المستشرقون من مقالات سياسية و صحفية وكتب رحلات و دراسات دينية و فقه لغوية بالإضافة إلى الأدب الذي ساهم خصوصا بالنسبة للعالم الإسلامي في بناء الإنشاء الإستشراقي يضم أعمالا لــ : غوته , وهوغو , لامارتين , شاتوبريان , نرفال , بايرون , جورج إليوت , مارك توين , غوتييه وغيرهم , هذا النوع من الأدب الأوروبي ذي الأسلوب الشرقي الذي كان غالبا مبني على التجربة الشخصية لهذا الأديب في الشرق .

وهنا نقطة خلاف إدوارد مع فوكو الذي يرى أن النص المفرد ليست له إلا أهمية ضئيلة بينما يؤمن إدوارد بالتأثير الحاسم الذي يتركه الكتـّاب الأفراد على العمل بشكله العام وهذا ما أثبت صحته تجريبيا في كتابه هذا بل إنه تجاوز مجرد الصحة ليغير جذريا ً في مجال الاستشراق ليس في أوربا فقط بل في العالم كله مما أوجد هزة و أصداء كبيرة وجعل الكتابة في هذا العلم لم تعد كما كانت قبل هذا الكتاب وكما قال إداورد فإن هذا الكتاب تجاوزه كمؤلف له .

إن جرأته في نقد السياسات الإمبريالية من داخل أعظم الدول التي تمثل هذه السياسة في العصر الحاضر وهي الولايات المتحدة . جعلته مثالا مميزا على مستوى النخبة و اللافت فيه أنه من أصول عربية حيث ندرة من الكتاب العرب من فعلوا هذا أو استطاعوا بلوغ ما بلغه عندما وضع دراسات على درجة عالية من الذكاء و المنهجية العلمية في مهاجمة هذه الإمبريالية ليس في حدودها السياسية فقط بل في المجال الثقافي و العلمي كما في كتابه هذا وكتابه الآخر ( الإمبريالية والثقافة ) و أظهر إلى أي مدى من الممكن أن يتشابك عمل الكاتب الثقافي بخلفيته القومية مما يجعل عمله الأدبي أو الاستشراقي يخدم السلطة السياسية و يؤدي بالنتيجة لاستعمار الشعوب حتى و إن كان بدعاوى براقة في الظاهر كالإدعاء بتمدين تلك الشعوب كما فعل الاستعمار الفرنسي و الاستعمار البريطاني خاصة في حملة نابليون على مصر و آخرها ما تفعله أمريكا الآن وما يسوغ هذا في نظرهم ما و صل إليه حضارة الشرق من انحطاط . سأختار هنا أحد الأدباء الذين ذكرهم إداورد من الذين آمنوا بهذه الفكرة وهو شاتوبريان :
” لم تدر الحروب الصليبية حول إنقاذ كنيسة القيامة وحسب بل دارت حول معرفة من الذي سينتصر على هذه الأرض : مذهب تعبدي هو عدو الحضارة محبذ باطراد للجهل – وذلك هو الإسلام طبعا – وللطغيان وللعبودية أو مذهب تعبدي أدى إلى أن يوقظ في البشر المعاصرين عبقرية الزمن الغابر الحكيم و ألغى العبودية الدنيئة ”
و يعلق إدوارد على هذا بإنزعاج :
” وكان هذا أول ذكر مهم لفكرة كان لها أن تكسب سلطة خرقاء لا تكاد تطاق في الكتابة الأوربية : أوربا وهي تلقن الشرق معنى الحرية وهي مفهوم آمن شاتوبريان و كل من جاء بعده بأن الشرقيين و خصوصا المسلمين لا يعرفون شيئا عنه ” .

بمعنى إن الاحتلال الغربي لدولة شرقية وتحديدا عربية أو إسلامية ليس احتلالا بل هو حرية وكما قال بلفور في محاضرة ألقاها على مجلس العموم البريطاني في مطلع القرن العشرين أن الشرقيين لا يملكون القدرة على حكم الذات ورغم اعترافه بعظمة الشعوب الشرقية ومنها مصر إلا أنه في ظنه أنه من الخير لهم أن تقوم بريطانيا بحكمهم بل إنهم في تاريخهم الطويل لم يعرفوا حكومة أفضل من حكومة دولته !!

تقوم بريطانيا بحكمهم بل إنهم في تاريخهم الطويل لم يعرفوا حكومة أفضل من حكومة دولته !!
لست بحاجة أن أقول أن الخطاب الغربي هذا لم يتغير حتى الآن في عهد أصبحت فيه أمريكا هي القوة العظمى , مما يعطي بالنسبة لي الثقة والصحة فيما ذهب إليه إدوارد في كتابه من آراء رغم كل ما يكتب عنها و يؤلف حولها من كتب لنقضها و محاولة إيجاد نقاط ضعف أو تناقض فيها ككتاب : ” الاستشراق وما بعده , إدوارد سعيد من منظور النقد الماركسي ” لإعجاز أحمد الذي قرأت تقرير عنه قبل فترة ربما أعود فيما بعد أن سنح الوقت لأعلق عليه .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نوال الحربي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s