” خارج المكان ” خارج اللغة محاذيا للهوية

خارج المكان

هل كانت كتب المذكرات شيئا سوى تاريخ وسرد لحياة مؤلفها ؟!

هناك قلة ممن يبتكرون لهذه المذكرات هدفا آخر سوى مجرد الإخبار و التقرير لحوادث مضت .
منهم دستويفسكي حين أخرج هذا النوع من الكتابة إخراجا فنيا رائعا في روايته المراهق هذه الرواية التي ليست سوى مذكرات لبطلها آركادي دولجوروكي يسجلها لتحقيق غاية مدهشة ومختلفة عن الهدف المعتاد لها :

” و بعد أن فرغت من كتابة آخر سطر أحسست فجأة أنني بفضل هذا التذكر و هذا التسجيل لذكرياتي قد ربيت نفسي تربية جديدة ”

تربية الذات أو التحول الذاتي للإنسان من خلال الاعتراف المدون . من الأفكار الأحب إلى دستويفسكي أنه لا يمكن للإنسان أن يصير إنسانا دفعة واحدة بل بالعمل الدائم على تهذيب النفس فحول بهذا فن المذكرات إل فن صقل الذات دون رحمة حتى النقاء و خطوة أولى لبلوغ الاكتمال الإنساني .

لكن ماذا عن إدوارد سعيد الغير تقليدي في كل ما يكتب ؟
الغير تقليدي حتى في مواجهة الموت !


أن تتلقى هذا الخبر المرعب كحقيقة مبرمة عليك التعايش معها فإن عالمك يبدأ بالانهيار .
شيء واحد يمدك بالتماسك يمنحك القدرة على الاستمرار بذات القوة :
( الذاكرة ) أن تعاود سكبها ثانية على الورق لتسير في حركة دائرية إلى حيث البداية و أيام الطفولة والشباب .
هكذا حول إدوارد المذكرات من تصنيفها كنوع أدبي من أنواع الكتابة إلى دواء غير مسجل على قائمة أدوية الأطباء لأولئك المحكوم عليهم بالموت .

و تلك هي الفكرة التي ومضت حين تلقى تشخيصا طبيا بمرض سرطان الدم
فانتهت به إلى تأليف هذا الكتاب ” خارج المكان ” .
الذي يقرأ ( خارج المكان ) ستدهشه شخصية إدوارد الطفل و الشاب التي لا تمت بصلة لمن يعرف شخصيته ككاتب و ناقد و مثقف بارز .
أنهيت ُ مذكراته بالأمس و لم أكن لأتصور بعد أن قرأت له بعض كتبه الفكرية واعتدت أسلوبه الصارم و تعقيداته لإغراقه في التجريدات الفلسفية أن ّ من الممكن أن أحظى بكتاب له يتخلص فيه من هذا بل و يمتلئ بالتدفق السردي الحميم الذي يتسلل إليه أحيانا ً شيء من الشاعرية الهادئة و يميزه أناقة أسلوب ادوارد المعتادة .

الشيء الجديد الآخر هو اكتشاف إدوارد العازف الموسيقي الموهوب , الذي تذوق الموسيقى الكلاسيكية منذ عامه العاشر و بدأ تعلم العزف على البيانو و التدرب على السلالم الموسيقية في سن السادسة .
الممتع وصفه لمكتشفاته الموسيقية و انتقاءاته النخبوية و دروس البيانو المنزلية التي كان ينفر من مؤلفي مقطوعاتها كهانون و سزيرني و ما حضره من العروض في دار الأوبرا مع عائلته في القاهرة حيث يقيمون بعد مغادرتهم فلسطين . تلك الصفحات المليئة بالمؤلفين و العازفين و التقاليد الموسيقية يصف فيها بحب الحفلات الأوبرالية كعروض فورتفانغلر قائد الأوركسترا الألماني في أدائه سيمفونيات موتزارت و بيتهوفن حيث لا شيء يعدل العروض المسرحية الحية حيث تتدفق الموسيقى كأمواج بهجة لامتناهية
” لا حاجة للتوقف ريثما يجري تبديل الأسطوانة و ما من صوت يسمع غير صوت موسيقى بتهوفنإنها الموسيقى الحقيقية تزيح النسخة المسجلة و تأخذ مكانها مرة و إلى الأبد ” .

اقتنصت له إعجابه بأوبرا لجياتشينو روسيني الإيطالي هي : أوبرا حلاّق إشبيلية ” The Barber of Seville ” التي كنت أحبُ فيها موسيقاها السريعة و المرحة وهي في الأصل مسرحية للكاتب الفرنسي بيير بيمارشيه حـُولت إلى أوبرا لكنّ روسيني بعبقرية أعاد تأليفها مرة أخرى بحيث تدخلك جو مشبع بالخفة و القفزات الموسيقية الكوميدية معطية لها طابعها المميز فحققت شهرة كبيرة .
عدد من المؤلفين الموسيقيين أعجب بهم إدوارد لكن إيثاره كان لموتزارت و بيتهوفن خصوصا سيمفونيته التاسعة ” .
انتبهت إلى أنه لم يخرج أبدا ً عن نطاق الفن الغربي فلا شيء في الموسيقى أو السينما أو الكتب يحمل دلالة على أصوله العربية كانت العائلة بأسرها تحافظ على هذا النمط الغربي في الحياة .

المذكرات بشكل عام ما بين السرد القصصي – لأيام طفولته و شبابه – و النقد لها , والتحليل النفسي لما تركته من آثار على شخصيته فيما بعد .
الناقد فيه لم تطغى عليه تلك الذكريات و المواقف التي أخذ يسجلها بذلك الاستحضار الدقيق , بل على العكس تجد أنفاس تلك الصفة التي لا تنفك عنه في انتقاده لحياته العائلية والتعليمية .

في نظري أن بعض أهم ما في الكتاب هو تلك العبارات و الأحكام التي هي بمثابة مفاتيح لمعرفة كيف تكونت تلك المنطلقات الجوهرية التي شكلت ادوارد سعيد الناقد و المفكر كالمقطع الذي وصف فيه آثار حرمانه من الامتيازات التي تعطى للطلاب المتميزين دونما سبب في مدرسة ماونت هيرمون بأمريكا بعد أن غادر مصر للدراسة هناك ثم الإقامة فيها كمواطن أمريكي :

” فسرعان ما اكتشفت ضرورة الاحتراس من السلطة و حاجتي إلى بلورة آلية ما أو اندفاع معين حتى لا أفقد الأمل بسبب ما اعتبرته جهودا مبذولة لإسكاتي أو حرفي عن أن أكون من أنا لأصير من يردونني أن أكون , و أثناء ذلك بدأت نضالا سوف يستمر طوال حياتي لفضح الانحياز و الخبث الكامنين في السلطة ”

فـُضحه لهذا في أكثر المجالات التي يـُعتقد بـُعدها وبراءتها من مآرب السلطات السياسية كالثقافة .

الأمر الآخر أن الكتاب كان إجابة عن تساؤل أعتقد أنه لابد أن يشغل كل من يقرأ لإدوارد فهو يكتب دوما بإخلاص بصفته المواطن الأمريكي مع احتفاظه بموقفه الجريء و القوي في الدفاع عن قضية وطنه الفلسطيني سواءا ً في عمله الصحفي أو السياسي , الانتماء لأمريكا الداعمة لإسرائيل و الانتماء بذات القدر للوطن الأصلي . لعل هذا ما جعل عبارة ( في غير مكاني ) كلازمة تتردد في كثير من الصفحات وهو ما عناه في نهاية الكتاب بقوله :

” أرى إلى نفسي كتلة من التيارات المتدفقة أؤثر هذه الفكرة عن نفسي على فكرة الذات الصلدة وهي الهوية التي يعلق عليها الكثيرون أهمية كبيرة تتدفق تلك التيارات .. على نحو طباقي و لكن من غير ما محور مركزي إنه ضرب من ضروب الحرية ”

هذه الحرية التي يوفرها المنفى أكسبته الغربة المزدوجة التي لا تتنفس المنافي شعورا ً سواها !

وغربته تلك استنطقها محمود درويش لتبوح في شعره :
” على الريح يمشي , و في الريح
يعرف من هو , لا سقف للريح
لابيت للريح والريح بوصلة
لشمال الغريب
يقول أنا من هناك أنا من هنا
و لست هناك و لست هنا ” ..

أما هو َ فيتمثل ألمها في شعر الإنجليزي صامويل كولردج :

” ولا تحت هذه العريشة
عريشة الزيزفون الصغيرة
حققت ُ
الكثير مما يبلسم لي جراحي ” ..

نوال الحربي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s