قراءات الكتب ..

في نظري هناك نوعين من القراءات لو تكلمنا عن – عنصر الكتابة بحد ذاته و بالنسبة للمتلقي لها –قراءة استطاع فيها صاحبها الوصول لمرحلة الإتقان وتمكن من تقديم الكتاب بشكل يستوفي المواضيع المحورية و الهامة فيه , و قراءة تشمل النوع الأول وتنجح في أن تضم إليه الجمالية التعبيرية فتتمكن من لمس أعماق المتلقي و تكسب بهذا أحد الأمور المهمة التي هي أحد أهدافها وهو : تشويق القارئ و إثارة فضوله نحو الكتاب .

الثاني يكون بالطبع قد نجح في النوع الأول , أما الأول فقد ينجح وقد لا ينجح في النوع الثاني .

الإحاطة المعرفية المسبقة بالأمور التي تدور حولها مادة الكتاب من الأمور التاريخية السياسية الأدبية الدينية … الخ كخلفية مرجعية لمن يريد تقديم القراءة – و التي تحدثت َ عنها – , هل هي شرط معياري في غيابه لن ينجح الكاتب ؟

الجواب : لا ببساطة لإن ليس كل كتاب أتمكن من الإحاطة به وهنا بالضبط أكبر فائدة من تقديم قراءات الكتب و حرص القارئ على أن يتجاوز بنفسه مرحلة القارئ إلى مرحلة الكاتب والناقد , فسيجد نفسه يبدأ بالبحث عن كتب أخرى تفيده في سد النقص في معرفته من هنا قد أقرأ كتاب أو كتابين إضافيين لتقديم قراءة للكتاب الأول و النتيجة أن من يحرص على كتابة قراءات للكتب التي تعجبه سيكون أغنى معرفيا ً بما لا يقاس من مجرد القارئ العابر لها . و نقطة هامة أن من يريد الكتابة عن كتاب ما و أن يتميز في هذا عليه أن يكون باحثا ً شغوفا ً عن ماله صلة به و إلا فإنه لن يكون سوى قارئ هاوي لا أكثر .

ثم هناك الفرق بين القراءات القصيرة و المطولة فأنت في الأولى ستكتفي فقط بإعطاء نبذة عن الكتاب والحديث عن أهم ما شدك فيه وتضمنها بعض آراءك التي خرجت بها , بخلاف المطولة التي ستُغرق متفننا ً في إبراز كل مافي الكتاب من جمال أو من أفكار وتناقش كل تفاصيله الدقيقة وتقتبس منه مرات وتعلق على هذه الاقتباسات ثم تنطلق في الوصف والتحليل و تفكيك البنية الفكرية أو الأدبية للكتاب فتتدفق تلك الأفكار والمعلومات المخزونة التي تحتفظ بها ذاكرتك من كتب أخرى ثم تقوم بربطها ببعضها البعض تستشهد بها وتقارن بينها فتخلص بالتالي لأحكام أصيلة خاصة بك تخالف بها مؤلف الكتاب أو توافقه ما يجعلك تتحرر من التبعية الفكرية للمؤلفين .

نأتي لأمر آخر وهو بالطبع عقبة لابد أن يمر بها الجميع وهي فهم المفردات والمصطلحات الجديدة واستخدامها أذكر من الأمور التي كان يعاني منها مكسيم غوركي في صغره هي هذه فأصيب بالإحباط و أخذ يظن أنه لن يفهم شيئا إذا لم يعرف معانيها ثم بدأ يسأل من حوله حتى عثر على الصيدلي الذي فسرها , ثم قال له حكمة جميلة :

” الكلمات يا صديقي الصغير تشبه أوراقا على شجرة , كيما تتوصل إلى فهم الأوراق و شكلها و وظائفها يجب أن تعرف كيف تنمو الشجرة ”

بالنسبة للمصطلحات السياسية أو الفلسفية …. الخ لا تشكل عائقا لأنك ستفعل كما فعل غوركي ويحل الأمر أما في الكتابة فقد تستعيض عنها بتعابير أخرى – وستسعى لها في مرحلة متقدمة لإنها ستمنح كتابتك الرصانة العلمية المطلوبة – , لكن ماذا عن المصطلحات الأدبية الأساسية في التعبير عندما تريد صياغة الفكرة ؟
أحد العبارات التي التصقت بذاكرتي لإدوارد سعيد عبارة : ( كنت أفتقر إلى المفردات و الأدوات المفهومية للتعبير عنها ) أي عن الأفكار , هذه المهارة يمكن اكتسابها من خلال أمرين مداومة القراءة حتى يألفها القارئ ثم يبدأ باستخدامها بعفوية وتلقائية الأمر الآخر قراءة الكتب النقدية  , لو تحدثت عن الكتب النقدية الخاصة بالأعمال الأدبية كالروايات مثلا ً , عندما تشرع في تخصيص وقت لها ستجد أنك بدأت تكوّن بسرعة مخزون اصطلاحي غني و بدأت صياغة الأفكار – التي تعج في رأسك ولا تجد لها قالبا ً لفظيا تصبها فيه – صياغة جديدة .

الجمال في الروايات أكبر متعة حين يعتريك الانشداه التام ثم تبدأ هالة من الجلال و الفتنة تتكون في نفسك تحاول التلذذ بها قدر المستطاع مدركا ً أنك ستتذوق بعدها متعة من نوع آخر وبذات القدر إن لم يكن أكثر وهو أن تصبح تلك المشاهد عرائس مرة أخرى ولكن بطقوسك أنت لتظهر بلمساتك الخاصة . فحين أنتهي من أمر كهذا يغمرني شعور بالنشوة أكاد بعدها أرقص طربا لكنها بعد أيام تتركني في حالة من الحرمان العجيب اللذيذ والمعذب في آن معا ً .

لكن سأضيف إلى ( تذوق الجمال ) سبب آخر وهو الفهم الأعمق لهذا الكتاب , فالكتابة أصبحت مرادفة لدي للفهم و أنا لا أعني الفهم بشكل عام فالجميع يتحلون بهذا على هذا المستوى أو ذاك , و إنما أعني إدراكك المقاصد المتوارية للمؤلف التي تفرح باقتناصها فمثلا ً بعد أن انتهيت من رواية برزخ لابراهيم سنان كنت ُ وقتها أتململ في تسيب قرائي مضجر فقمت بكتابة قراءة لها على سبيل التسلية وفي أثناء مراجعتي لها انتبهت لعبارة صالح بطل الرواية :

” هكذا الأقدار تنتهي بنا حيث يبدأ منا الآخرون , ويظل الشارع بريء إلا من آثار أقدارنا “

في مستهل الصفحات والتي لم أعتقد على الإطلاق أثناء قراءتي للرواية أن ّ من الممكن أن تكون راسمة تماما ً لتلك النهاية الصادمة للرواية و كيف أنها اختزلت كمية المعاني الطافحة بها بسطر واحد ! السطر الذي أراد سنان أن يكون كنبوءة لخاتمة تلك الصداقة فألقاها مبكرا ً بين يدي القارئ والذي قد لا ينتبه لها .

هذا من تجربتي و بلا شك أن ّ الإنسان يلاحظ الفرق بعد كل فترة و لكن لا أحب أن أصنف نفسي فهناك قناعة تلازمني بأن أترك تقييم القراءات للقراء و هو ما يعطيني إحساسا ً بالعذوبة وعدم الالتزام نحو الذات مما يجعل الانسان دائما في حالة من الترقب الممتعة سيفقد الكثير منها لو قيم ما وصل إليه . فهل يستطيع أحد بعد أن تقيده نفسه بنظرتها له أن يعبر في حضرتها أحيانا ً كطفل بفرح مشبوب ليصفق محتفلا ً بثناء أو إشادة هنا أو هناك ؟!

في السابق كنت ُ أظن أن هذا سيحول دون وعي الشخص بنفسه و تطويره لها لكن بعد ذلك وجدت ُ أن هناك قمم لا يخالطهم الشك كانوا كذلك فتأكدت من صحة هذا . فإدوارد سعيد بعد أن وضع دراسته العظيمة للإستشراق يقول بأنه لا يدري من هو في هذا الصدد ! لاشيء لا باحث لا ناقد لا تصنيف أبدا ً .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نوال .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s