قصص فرجينيا وولف

 

بعض الروائيين رغم ذيوع شهرته والإجماع على فنيته العالية كعَلم من أعلام الأدب إلا أنك لا تتفق معه بأي شكل وكأنه يستعصي عليك .

هل جربت أن تقرأ السيدة دالاواي رائعة فرجينيا وولف ؟

هل تمكنت من الانغماس بثيماتها التي تبدو كأحجية لمن يقرأها للمرة الأولى؟ تشعر وكأنك ورقة في مسار ريح لا تسكن فلا تدري بأي اتجاه وأي مصير .. تبدأ القراءة فيبدو ذهنك حالا كبوصلة أضاعت الاتجاه ! قرأتها مرتين وفي كلتيهما لم أجاوز المنتصف ، قرأت بعدها لآندي ميلر الشغوف بالقراءة أنه لم يستطع التصالح مع رواية جيمس جويس ” عوليس ” والتي تصنف ضمن هذا النوع من الروايات ، هذا عزاء جيد على الأقل لك كقارئ  .

هذه الروايات الصعبة / الملغزة لمن لم يتعود على نوعها الخارج عن المألوف الأدبي   تنهج منهج تيار الوعي في الفن الروائي ، حكمت مسبقاً أنني لن أتصالح معها ، لكني دهشتُ حين علمت أنّ الأسلوب الآسر الذي استخدمه الأديب الجزائري الأعرج في روايته الجميلة ” سيدة المقام ” هو لذات التيار! كان قصاَ مدوخاَ بلذته الجمالية المجنونة ، اللعب بالزمن /  الغوص في جنون الشخصية / امتداد المونولوج الداخلي والحر على طول الخط  مما يسمح لك بتقمص دور الشخصية إنك ترى كل شيء من خلاله / اللانظام في بنية السرد يشبه تشظي هائل لذوات الشخصيات يفجر دواخلهم النفسية وأفكارهم ، تلك الطريقة أسرتني طويلاً  كل ما كونته من تصور عنها أنها أشبه بهذيان شاعري متخم باللغة والألوان .

 

virginia-woolf

 

 فيما بعد حاولت القراءة لفرجينيا وولف مرة أخرى و البحث عن طريق آخر أصل فيه لها وقد وجدته أخيرا وهو قصصها القصيرة ، لمست فيها جمالاً غير معتاد كلما تأملته أكثر بهرك تحيل الوصف للوحات بصرية لا تغفل أبسط التفاصيل ، و هناك ضياع للزمن فجوة تنفتح فجأة لابد أن تتعثر بها ، هناك أيضا إذابة مقصودة أو لأقل توجيه لصهر وعيك في شخصية ما لترى وتسمع ما لا يبديه ولا يتحدث به .. إنك تنفذ لأعماقه !

ما أحببته في وولف هي طريقتها في القص التي تجعلك تشعر أنك تحلم .. من حيث الرموز التي تظهر وتعود تختفي لتعطيك إشارة ما ، تجعلك تفتح ثقبا في هذا الجدار الهائل تعطيك للحظة إمكانية العبور إلى الحلم وصنعه إنك تعبر معها إلى الجزء الآخر ببساطة تحت غلالة العالم ، البراعة في أسلوبها في نظري إلى جانب ذلك هي في قدرتها الهائلة في نسج الوصف للأشياء بطريقة غير معهودة طريقتها في إعطاء الصوت لمن لا صوت له من رموز أو أحداث أو أشياء في العادة لا ينتبه لها الإنسان هي خارج استيقاظه الواعي ، إنها تماما تحدث في اللاوعي من الذهن والزمن .. البقعة المظلمة تلك وهي من تعطيها الوجود بعكس النور عليها وجود آخر مرادف للوجود الآني الذي لم تفطن له لأنه خارج انتباهك الحالي ،  وجود .. لك / للأشياء / لحدث صغير فاتك .. تنهيدة  كونية لم تسمعها ، صرخة لم ينتبه لها الناس تآمر الليل على طمسها ، الظلال الهامشية التي تعكس الأصل / الوجوه والأشخاص تحت السطح / أجراس بعيدة تدق / الأمور الغائمة التي توقظك مشيرة لحقيقة وجود الله أو حقيقة الحياة كما في قصتها ” رواية لم تكتب بعد ” .

 هناك من القراء من يرى أنها فوضى من التفاصيل لكني أراها محاولة لإثبات الذات ، كما يراها مثلا روجر هنكل في  في كتابه قراءة الرواية بأنها ( التوق إلى الحرية وذلك بإعادة ترتيب الواقع .. بما يناسب نزعة الفرد ) ،  إني أرى أنّ إعلاء رتم التعبير النفسي والانسياب المتواصل للأفكار داخل الذهن مع كسر الانتظام للبنية السردية وتعاقبية الزمن المعتادة وتكثيف التصوير لدواخل الشخصيات وفوضى العرض العام تصب جميعها على تأكيد الذات ، تكوين خصوصية فردية تختلف عن هذا التناسخ المخيف الذي يتميز به عصرنا ، لذا تجد  أنّ  وولف تجعل السرد تحت رحمة الوعي وتداعياته / وعي الشخصية كشاشة عرض كبيرة تعرض عليها إما عن طريق المونولوج الداخلي أو الأسلوب الحر غير المباشر .

 كما أظهرت أيضا حالة الغربة والاستلاب الذي يعاني منها الفرد إنها تطل دوماً بشكل واضح أو خفي في قصصها ، هل تتذكرون رواية الغريب لكامو وتلك العدمية الفظيعة التي يعايشها بطل الرواية ولا يتحرر منها إلا بعد أن حُكم عليه بالإعدام ولمس في ذلك الوقت القصير ما قبل تنفيذ الحكم حقيقة وجوده شعر أنه خرج من هامشية الوجود ليشعر بذاته ، نجد هذا بطريقة أخرى عند وولف مثلا في قصة ( الحالة الغامضة للآنسة ڤي ) حيث تصورها كظل ! لا يُكتشف وجودها إلا بعد موتها حين تصرخ راوية القصة باسمها في فجر أحد الأيام بشكل مفاجئ – تلك الصرخة ترمز لوجودها و تحررها من العدمية – ثم تقرر زيارتها وتقول بسخرية : ( كم بدا ذلك جنونا وغريبا ومسليا أن أقتفي أثر ظل وأتكلم معها كأنها شخص مثلنا جميعا تأمل كيف سيبدو الأمر لو أنك ركبت الأتوبيس لتزور ظل الجرس الأزرق بحدائق كيو ) ! وصف ماري ڤي بالظل هو إيماء لتقلص مساحة حضورها في الحياة لانطماس خصوصيتها الفردية / حقيقتها الداخلية إنها أشبه بظل إذن ! كان التعبير الذي أسرني هو قولها بعد أن اكتشفت موتها : ( بدأت أتساءل إذا كانت الظلال يمكن أن تموت وكيف يدفنهم المرء ) !

لأتحدث عن رمز آخر أحببته أيضاً  وهو رمز المرآة في قصتها الجميلة ( المرأة في المرآة ) تقول : ” يجب على الناس ألا يتركوا المرايا معلقة في غرفهم أبدا إلا بقدر ما يتركون دفتر شيكات مفتوحا أو خطابات اعتراف بجريمة بشعة ” من هذا الوصف يمكننا أن نخلص لحقائق كثيرة مثلاً  المرآة هي رمز لحقيقتك العميقة التي لا يراها سواك أو ربما أنها مغيبة عنك ولم تبصرها لكنها ثمينة  لحد تريد إخفائها عن الجميع ، أجزاءك السرية التي لا تُوهب للكل أو العيوب والسوء فيك .. مهما أخذنا التأويل فسننتهي إلى أنها الحقيقة ، لأنها تنتهي بأن تسلب إيزابيلا في القصة كل أشيائها ثم تظهر حقيقتها أخيرا بانتهاء القصة ، وكذلك في قصة ” الفستان الجديد ” أبرزت المرآة كرمز يكشف حقيقة مايبيل بطلة القصة والحضور في الحفلة ، الحقيقة التي تُمنح الأبدية بانتزاعها من الزمن ربما إنها تغدو صورة فتكون عصية على سلطته ،  ذلك ما كانت تصفه وهي تقول : ” ثم بات من الغريب أن ترى كيف أنها تقلصت وانتظمت وتجمعت لتصنع جزءا من الصورة ثم لتمنحنا ذلك السكون وتلك الأبدية اللذين تمنحهما المرآة

يقول داوود غطاشة في قضايا النقد العربي ( العمل الفنييكون أكثر قربا من أعماق الإنسان إذا تم في حالة لاشعورية لكونه ينفّس عن النزعات الفطرية المكبوتة في اللاشعور برموز تحمل الدلالة يؤلف بينها في صورة حرة تلقائية ) هل أحتاج أن أقول أنّ هذا بالضبط ما ينطبق على هذا النوع من الأدب وخاصة أدب وولف لذا هو أقرب ما يكون لعمق الإنسان وربما هذا ما أعطاه كل هذه القيمة الفنية العالية .

يقول رجور هينكل : ” إن إحدى السمات المميزة للرواية ذات المستوى الرفيع تتمثل في أن تفسيرها يزداد ثراءاً كلما توغل القارئ في أعماقها

يمكنك أن تقرأ قصص وولف عدة مرات وفي كل مرة تتأملها ستخرج بتأويل جديد للقصة أغنى و أعمق ، إنك أمام أدب مترف بالقيمة حقاً يشي بصاحبة تلك الروح الفريدة والفذة التي صاغتها  ستشعر بأنها مملوءة على الدوام  بـــ : ” بأشياء أبدا لم تحدث لكنها تبدو لعين المرء إذا ما نظر المرء ” كما عبرت وولف نفسها في إحدى قصصها .

 

 

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s