عالمان

دوما ما كنتُ أحب ذاك الإبهام .. أن تظل عائما فوق كثير من الأسطح دون أن يسحبك أحدها إلى التورط كاملا .. الإنتماء اللامشروط ، أن تظل بلا عنوان وقافية محددة ذلك يضمن لك نوعا ًمن التحرر .. كنت ُ أسعى إلى الحرية التامة دون أن أكون منفردة ، أشتهي أن أظل بالقرب منك وأنا دوما على أطراف البعيد فيّ ، لم يفهم أحد طبيعتي الغريبة هذه ، و أقول غريبة لأنني رغم بعدي أغوص في أعمق نقطة فيك إلى الحد الذي لا يمكنك انتشالي منك ورغم ذلك تظل مجبورا أن تُعاملني معاملة العابرين ..

كانت الشمس تميل إلى الغروب صفرتها المحببة لقلبي و المنعكسة على الحائط تبعث فيه شعور بالألفة فيغدو المكان وكأنه يهيأ نفسه لاحتضاني ، شعور غريب يلامس روحي .. يتسرب وكأنه أصابع تتغلغل في راحة يدي وتشوش تفكيري ، لغة دمي وصوتها .. تعود بعد غياب ، تلك الأفكار العميقة تهز سكوني وتسحبني لدائرة عتمتها مضيئة حد الإبهار .. تسحبني نحوي ، يغدو النص مرآة وأقرأ ملامحي بوضوح .

كانت هناك تجلس في الركن النائي من المقهى حين تصمت بشرود هكذا تشعر أنها لوحة مسروقة مما قبل الزمن من عالم هو محض نور هادئ متعالي أما حين تبدأ بالحديث تكاد تجزم أنها أكثر اجتماعية تدير تواصلها مع الناس ببراعة من يلهو بلعبة ، أجلس بجوارها بتراخي وأصمت دون تحية .. تعرف مزاجي الغائم هذا ولا تحتاج أن تسأل و دون أن تلتفت تطلب قهوتي المفضلة ثم تخاطبني برقة :

– لدغتك الأبدية من جديد ؟ هل أهيء بوابتي الصغيرة لتعودي لعالمنا أم تفضلين البقاء هناك لفترة أطول ؟
– لا أجيب .
– حسنا ً .. إذن يبدو أن حُراسك المجانين قد كدروا سلامك كالعادة ألا تشبعين من هذر كتبهم وهرائهم ستصابين يوما بلوثة جنونهم وتبقين عالقة بين عالمين لا يمكنك التآلف معهما معا ولا التخلي عن أحدهما.
– أأنّ بصوت خافت .. وأجيب : لا أستطيع ماذا أفعل .
– أووووه مرحبا بك على كوكب الأرض هل هبطتِ أخيرا ؟ .. تقول ساخرة .
– أمتعض مجيبة : تشبّهين الأمر بمزحة يمكنني الإفلات منها سريعا لا أحب تسطيحك للأمور بهذه السخرية .
– تضحك : على أحد أن يفعل وقد أخذت دوره وإلا ستظلين بهذه الجدية الطافحة أسيرة غرف الجنون تلك .
– الأمر أني لا أجد طريقي رغم أنه يشع أمامي إني أراه بوضوح ثم لا أهتدي له هذا حقا هو ما يثير جنوني.
– صدقيني الأمر أشبه بلعنة ، يطفو أمامك وكلما ازداد تشبثك بالإمساك به هرب واختفى .. إما أن تكفي عن المحاولة وإما …..
– وإما ماذا ؟!
– صدقي هذا القدر إن كان قدرك حقا واركضي خلفه حتى النهاية قد يتحقق وقد تخسرين الكثير في سبيله ولا أعلم إن كان سيستحق ذلك .
– إني أكره نداءه الذي لا يصمت داخلي منذ سنوات لو كانت خسارات الدنيا في سبيل إسكاته وحسب فإني راضيه .
– حسنا تعود تبتسم ببشاشة …. انتهى عبورك هاقد أغلقنا البوابة .
هناك عوالم لا يمكنك السيطرة عليها نور وعتمة نار ونعيم ، تشوش عظيم يعتمل في النفس تظل مشقوقا للنصف في كل مرة لا تنتمي بالكامل لأحدهما إنها لعنة المنتصف يطيب لي أن أسميها بذلك ، إنك نصف شاعر ومجنون ورسام نصف بحر وسطح ومرسى نصف جزيرة ومدينة نصف وطن ومنفى نصف ضحك وحزن غريب نائي نصف حلاوة هذا العالم وشغبه وشقاوته وجماله ونصف هدوئه وموته وشحوبه نصف قمر لم يكتمل أبدا ، إن العالم ثنائي الأصل لذا فأنت .. أنت العمق تماما والحقيقة الباهرة إنك كل شيء من الأشياء تجمع الكون كله في ذاتك وللحظة سرمدية خاطفة حين يلتقي في داخلك هذا كله تشعر بالجنون وبرغبة في التلاشي هذا حقا ما أشعر به الآن …
تشبه التوحد في الكل التصوف الذي يُمارسه متعبد بتواضع ولا يدرك أنه اتحد بأصل العالم والتهبت أعماقه .. لذا أشعر بكل هذا التعب .. أعيد رسم خطواتي بحيرة طفلة قد ضاعت بوصلتها الصغيرة فلا أشعر بالراحة إلا عندما يهطل المطر أقف تحته يبلل أطرافي اتحد فيه ينفذ لعمقي ، للحظة فقط أشعر أني لامست انتمائي الأول و أنّ السماء الآن تُقبلني بهدوء .. يحل السلام داخلي تزهر ابتسامات الدنيا في عينيّ وأصابعي يتوقف المطر يهدأ الليل ، تبرز نجومه بندائها السرمدي أحدق فيها لدقائق طويلة تجذبني نحوها .. تجذبني بقوة تتحد الخطوط المتشابكة داخلي في خط واحد قمري مشع وكأني إحدى قطعها الناقصة .. أشعرني النور يتوقف الصخب يهدأ كل شيء .. و أشعّ وحدي ، ينقصني فقط روح واحدة تفهم كل ما يحيط حولي .. تكون الطرف الآخر في هذا الحوار الأبدي هل يمكن للبشر أن يفهموا هذا ؟
هل يمكن أن أجد يوما بشري يمكنه أن يتناصف معي هذه العوالم المتشظية في مسارات دمي فيكون اكتمالي انغماس تام في الفردانية لحد الانسجام بيننا فتصبح الجسور تصل ولا تفرق و مواعيد المطر .. مواعيد للقاء لا الوداع ، والكلمات بأسرها عناق أبدي .. لا بريد مؤقت للتواصل .
أن يكون الطريق – الذي لازلت أبحث عنه – حين أجده هو على الدوام خطوتين لا خطوة واحدة .. خطوتين تقودني باتجاهي كما تقودني باتجاهه ، الحلم والقلب معا .. في خط التقاء السماء والبحر .

 

السبت ، 9 فبراير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s