هرمان هيسه .. الكاتب الكوني

 

لكل إنسان مهمة أصيلة واحدة هي العثور على الطريق نحو نفسه قد ينتهي به الأمر أن يصبح شاعرا أو مجنونا ً، نبيا ً أو مجرما ً فهذا ليس من شأنه ولا مبرر إطلاقا ً للاهتمام به ، إن وظيفته هي أن يكتشف مصيره … ” *

 

هيرمان

 

في قراءتي للروايات دائما ما أميل إلى تلك الروايات ذات اللغة الشاعرية التي يعتني مؤلفها أولا ً بإشباع ذائقتك لغويا ً في التشكيلات الوصفية والصور الجمالية ، و تلك التي تأخذ الشكل الفلسفي / الفكري .. فتخرج منها محملا ً بالتصورات التي تستحث عقلك على طول خط الأحداث والحوارات وكأنها تشحذ تفكيرك بتحدي ثم أخيرا تلك الروايات الوجودية خاصة التي تأخذ المنحى النفسي بشكل عميق .

ماذا إذا وجدت كاتبا يجمع هذه الأنواع كلها بمزيج آسر في رواية واحدة ؟ القليل يتمكن من هذه البراعة كما هو الأديب الألماني هرمان هيسه وجدت فيه المتعبد والباحث والمفكر والشاعر والمتأمل الروحي والفيلسوف الوجودي والمتمرد ..

ونضجت معرفة ماهي حقيقة الحكمة ومعرفة الهدف من بحثه الطويل ، لم يكن إلا استعدادا للروح .. طاقة .. فنا ً سريا ً من فنون التفكير شعورا وهمساً بأفكار الوحدة في كل لحظة من لحظات الحياة . هذه الفكرة نضجت في أعماقه ببطء وانعكست على وجه فازوديفا الطفولي : التناغم ومعرفة الكمال الخالد للعالم والوحدة

هذه السطور القليلة يمكنها تلخيص الفكرة الأساسية التي تدور حولها روايته سدهارتا وربما فكر هيسه بأسره فحين تقرأ عن حياته والمنعطفات التي مرت بها منذ طفولته حتى وفاته .. تجده الباحث المتقصي الذي كان لا ترضيه الإجابات الجاهزة للدين والأفكار ، كان يبحث عن شيء يخصه .. فكرة أصيلة ترضي العطش المعرفي في عقله وروحه .. هذا القلق الحاد الذي تلمسه حين تقرأ روايتيه سدهارتا و دميان .. نجد بطلي الروايتين يتمردان على بيئتهما ، الوالدين ، التعاليم ، المدرسة ، المعلمون .. يحلقون خارجا يلتمسون طريقا يخصهم باحثين عن فكرة أسمى للعالم والإنسانية و قبل هذا لوجودهم .. المعنى الأعلى للنفس المشبع بالإكتفاء الذاتي هذا الخط بالضبط الذي أحببته جدا ، في سدهارتا كان يرمز لهذا باليقظة الذاتية التي ترافق البطل منذ صغره و بذلك الصوت الذي ينبع من داخله ثم بذلك بالطائر الذي يموت ويموت معه هذا الصوت ، أما في دميان فبالإضافة إلى الصوت الداخلي رمز له أيضا بـــ ” صورة الحلم ” الذي بدأ يجسده فيما بعد بلوحة قام برسمها بتدرج .. طائر ثم وجه كان يريد أن يضع فيه هواجسه وأحلامه ثم تحول هذه الرسوم إلى ما يشبه الرسالة .

يقول على لسان دميان : ” يجب أن تسأل دائما ً وأن تكون لديك شكوك ” وعلى لسان سنكلير : ” لقد كنت وما زلت باحثا ً ” ، و يقول بطريقة أخرى في سدهارتا : ” الباحث الحقيقي لا يستطيع أن يتقبل أية تعاليم وخاصة إذا كان يرغب مُخلصا في العثور على شيء ” ، أرى أن ّ رواية دميان هي تلخيص لحياة هيسه .. نجد فيها الكثير من آثارها في تصويره لحياة سنكلير ، في تمرده على المدرسة وعلى والديه وعائلته المحافظة وشعوره باختلافه عنهم ثم إدمان الكحول وخروجه مع رفاق يكبرونه في السن في شبابه المبكر كما فعل سنكلير في مصاحبته لألفونس بيك و رفاقه الأكبر سنا ً يبرر هيسه هذا على لسان سنكلير : ” كان الذهاب إلى البارات والتباهي بذلك هو أسلوبي في الخصام مع العالم ، كانت تلك طريقتي في الاحتجاج وكنت خلال ذلك أدمر نفسي ولكنني في أحيان أخرى كنت أفهم الحالة كما يلي : إن كان العالم غير قادر على الاستفادة ممن هم مثلي وإذا لم يكن لديه مكان أفضل أو مهام أسمى لهم فإن من هم مثلي سوف يتدهورون والخسارة عندها ستكون خسارة العالم ” ، كذلك الإكتئاب ومشاكل طفولته برأيي أشار لها في قصة سنكلير مع كرومر الذي كان يسيطر عليه بالابتزاز والضغط النفسي ما أوصله إلى المرض وصوّر ماتبع ذلك كله من خوف والديه وتدهور حالته ، ثم أيضا التحاق سنكلير بالخدمة العسكرية في نهاية الرواية وهو الأمر الذي فعله هيسه وفُصل منها بسبب الإضطرابات العصبية التي كان يصاب بها ، إضافة لحديث دميان وسنكلير عن الحرب ودمار العالم الذي نعرفه وهو ما كان يشير فيه هيسه إلى الحرب العالمية التي شهد خلالها صعود النازية إلى الحكم ، إن رواية دميان باختصار فيها الكثير من ملامح حياة هيسه وأفكاره .. إلا أنها باعتقادي كانت الأفكار الأولى التي لم تصقل صقلها الأخير هذا ما ألمسه في بحث سنكلير المتواصل في الرواية والذي لم ينتهي بنتيجة محددة قاطعة لها شكل العقيدة أو المذهب الواضح التصور إنك تجده مشوش ومتعب و تشعر أنك تجاهد معه للخلاص ولهدف ما تجهله ، لقد قضيتُ الصفحات الأخيرة ركضا ً لاكتشاف هذه العقيدة الجديدة وهذا المثل الأعلى لكنه خيب ظني ولم يهبني ما يروي ظمئي ، لقد ظل بوهيميا ً معلقا بين التحقق وعدمه .. أبرر هذا بأن ّ هيسه نفسه لم يصل ، لقد كان يرصف الطريق وربما حين كتب دميان كان لايزال في مرحلة البحث .. لقد أراد تقييد هذه الأفكار في شخوص وإعطائها صوتاً وحياة خارج نفسه وقد نجح بشكل مبهر ، يدل على هذا قوله على لسان سنكلير في بداية الرواية :
توقفت عن توجيه أسئلتي إلى النجوم والكتب وبدأت أصغي إلى التعاليم التي يهمس بها دمي ، وقصتي ليست قصة مفرحة فهي ليست بالقصة الحلوة أو المتوافقة كما هو الحال في القصص المخترعة إن لها طعم الهراء و التشوش طعم الجنون والأحلام مثل حياة كل من يتوقف عن خداع نفسه ” .

رواية دميان تتركك في نهايتها متصدعا ً .. مرتبكا ً / محاط بالكثير من الأسئلة التي رمتها في داخلك و زعزعتك بلا إجابات شافية لهذه الحيرة إنها قطعة أدبية فلسفية وجودية جمالية باهرة .. في كل صفحة تتألق الأفكار والمعاني المتدفقة والسبر العميق لأسرار وحقائق النفس ، لهيسه فيها ألذ تحليل نفسي قرأته لطبائع البشر بعد دوستويفسكي ، في كل حوار ومونولوج أجد لمعان الأصالة في فكره فهو لا يقلد ولا يستقي من أحد ، يحفر عميقا بتجربة ذاتيه للوصول لكل كلمة وفكرة تماما كبطله سنكلير و بطله الآخر سدهارتا فأبطاله هم نسخته الأخرى ، كنت ُ أتوقف وأعيد القراءة لبعض المقاطع مرارا ً وأتأمل وفي كل مرة أشعر بمتعة مضاعفة ، لا يمكن أن يكون هناك ما يضاهي لذة الحوار العقلي حين تخالطه الجمالية .

لم أندهش حين اكتشفت أنه ألف سدهارتا بعد دميان فالأولى بالرغم أنّ أحداثها تصب في ذات المسار البحثي عن الذات وكمال النفس و تتمرد على الدين والآلهة التي ارتضاها البشر وصنعوها لأنفسهم – إنما بشكل مغاير في البيئة الدينية – فهي تمثل البطل بطريقة أكثر نضجا ً فسنكلير الذي كان يبحث عن المثال الأعلى خارج نفسه ونجده يلتجأ للكثير من الشخصيات كصديقه دميان وبياتريس و الموسيقي بستوريوس وأخيرا ايفا الأم الكونية ، ويقول : ” كنت عاجزا عن السير وحيدا ً ” نجد على النقيض سدهارتا منذ بداية الرواية مكتفي ذاتيا ً لا يبحث عن مثال خارج نفسه ، بل يسعى منذ البداية لإيصالها إلى كمالها الممكن .. ” أن أخرج من نفسي لكي أعثر في الأعماق المجهولة على جوهر الأشياء كلها ، على … الحياة على القدسي على المطلق ” ، وفي حين نجد سنكلير يبحث عن الإجابات لدى الآخرين و ظل حتى النهاية تحت تأثير دميان وايفا ، فإن سدهارتا يصل في ختام الرواية بنفسه إلى ما كان يبحث عنه بالتجربة .. أفكار يتوصل إليها فيجد السكينة والسلام و وحدة العالم والإجابة على كل الأسئلة التي كانت تقلق روحه ، نضج مفهوم البحث يلخصها هيسه على لسان سدهارتا وكأنها خلاصة تجربة سنكلير :

عندما يكون المرء في حالة بحث يحدث بسهولة أن لا يرى إلا الشيء الذي يبحث عنه وأن يعجز عن العثور على أي شيء أو عن الاستغراق في أي شيء لأنه لا يفكر إلا في الشيء الذي يبحث عنه ، لأن لديه هدفا ً ولأن هدفه يستحوذ عليه ، البحث يعني أن يكون لك هدف ولكن العثور يعني أن تتحرر ، أن تصبح قابلا ً للتلقي أن لا يكون لك هدف ، وربما كنت .. باحثا فعلا وأنك في سعيك نحو هدفك لا ترى أشياء كثيرة هي تحت بصرك ” ، وفي حين يصور العثرات في حياة سنكلير على أنها تدمير متعمد للذات وهدرها ، تجده يصف عثرات الحياة في سدهارتا على أنها بناء وشرط لتحقق المعرفة ، أنا سعيدة أن صادف أن بدأت بدميان قبل أن أقرأ سدهارتا .. لقد كانت الأخيرة اكتمال الأولى .. ولو كان العكس لما شعرت بذات المتعة في تدرج أفكار هيسه وفهمه .

أخيرا .. إن القراءة لهيسه هي تجربة تأملية جميلة وكأنها معبد لا يطوف فيه إلا الأفكار وذاتك وحدها في صراع وتصاعد وتيقظ ، في أدبه قيمة ثمينة جدا ً لا أعرف إن كان تنبه لها قراؤه وهي الأهمية العظيمة التي أولاها للذات .. إعطاءها حقها في التفرد والرأي وممارسة التفكير الحر واختيار المصير ، إعلاء شأن العقل البشري للأفراد .. و إعادة المكانة للروح التي انطمست في عصرنا الحديث في ظل ازدحام الماديات المستعر و تسطيح الأشياء للحد الذي فقدت عمقها وصوتها الخاص فهو يؤكد على قارئه أن يدع التماهي في القطيع الواحد ذلك التماهي الذي أحالنا إلى قطع متشابهة لا تفكر ولاترى إلا بما يشاء غيرها ، أن يكون الإنسان إنسانا بالبحث المستمر عن نفسه وأنّ كلا ً منا له كماله الذي يخصه برغم اتحادنا في الأصل ، وأن الصراع الأخلاقي وصوت الضمير هو الجزء الإلهي فينا و الذي يجب أن لا يموت كما يشتهي هذا العالم الذي بدأ يتخلى عن كل ما هو مقدس في البشر ، أعتقد أن كل من يجرب القراءة له لن يعود بذات النظرة لنفسه و للعالم ، لذا لا غرابة في أن يعد من أبرز روائيي القرن العشرين ومن أهم الأدباء الألمان .

الثلاثاء ، 26 فبراير 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s