” المطر الأبيض “

كنت أطفو ، لا شيء يُعيد إلي .. الشغف الأول وفي كل كتاب أرتد للقناعة ذاتها : مصادفة خاطئة ! .. لم أجر نفسي للحافة ظللتُ أتململ عامدة في المنتصف لأنني كنت أريدني ما إن أصل الحافة حتى أقفز و لازلت لا أملك هذه الرغبة بحرارة كافية ، إذن ؟ صُدَفي الخاطئة هي َ كالتالي ..

حدائق روائية ” للأنصاري وهي عبارة عن قراءات لبعض الأعمال الروائية التي يراها الكاتب تستحق الإشادة بأكثر مما حصلت عليه و ينقلها بطريقته الخاصة للقارئ ، ” درس المعلم ” وهي نوفيلا لــهنري جيمس .. والتي لا أعلم ما سبب اختيار بورخيس لها لتكون ضمن أحد 100 كتاب عظيم للمكتبة الشخصية لأكن صريحة كانت خيبة صغيرة بالمقارنة مع التصور الذي احتل مخيلتي بعد المعلومة السابقة ، ثم كتاب عدوان ” دفاعا عن الجنون ” والذي حلقت مع فصله الأول والثاني عاليا ً لأعود بذات الخيبة في فصوله الأخرى .. كان محور فصله الأول الفنان أما الثاني فالفن عموما ، استطاع أن ينفذ فيه إلى حقائق مهمة برؤية فنية و نفسية عميقة في صفحات قليلة يمكن أن أعرّفها باختصار أنها دفاع عن حق الفنان في الجنون أي ممارسة طبيعته الأصلية و الإشكاليات التي يواجهها بسبب ذلك ، ثم ” أزهار عبّاد الشمس العمياء ” الكتاب اليتيم لألبرتو مينديس والذي بالكاد أكملت فصله الأول وشرعت بالثاني حتى رميته بعيدا
رغم أني لا أترك كتابا بدأته حتى أكمله لكني لم أستطع تحمل ظلال العتمة التي تتسرب من كل سطر إنها هزيمة خالصة بلا أي هدف هزيمة لمجرد الهزيمة وموت لمجرد الموت و بطبعي لا أحتمل هزيمة الروح بهذا الرخص الكريه العبثي فتوقفت .

عدت ُ بعد هذا لأقرأ لحسين البرغوثي لأبحث عن الجميل المختلف بعد أن سئمتُ تكاثف العادي والرديء في وجه الحياة .. لم يخيب ظني أبدا ً لقد بُعثت من جديد في كتابه ” الفراغ الذي رأى التفاصيل” تحديدا في مبتدأ هذا السطر ” كم سيمر من الأزمنة قبل أن يغسل المطر الأبيض الابتذال من الشوارع ؟ “هو ذاته هذا المطر الأبيض .. إنه في كل مرة يشكل في داخلي  الروح من جديد كمن يشكل الحديد بالنار .. كان يفعل ولا أستغرب هذا وهو القائل : ” لا يكفي أن تبني بيتا جديدا يجب أن تبني روحا جديدة ” ، أعتذر لنفسي في كل مرة أطيل العهد به .. وأعتذر له أيضا حين أفعل ، لكنني كمن وجد كنزا قليلا .. قليلا جدا ليكفي العمر كله فيضن ّ في إنفاقه خشية نفاده ، كتبه القليلة هي ذاك أتحسر أن رحل باكرا ً لكن أليس هذا هو عادة كل شيء جميل ؟ .. لغته / رؤيته / فكره / روحه وطريقته الاستثنائية في إدراك كل شيء ، حين أقول أنه مختلف عن كل أحد فهو كذلك بكل أبعاد هذه الجملة الممكنة ، جماله الدافق / منهجيته اللامألوفة في التفكير والطفولية أحياناً رغم كل المعرفة الناضحة بها ، جعلتني أبحث بفضول لأعرف هذا الشخص المختلف عن كل نمط في أقوال من عرفوه في حياته فكان حديث كل منهم عنه يؤكد صدق حدسي وفراستي الروحية – التي لا تخطأ في إبصار حقيقة الشخص وإن عن طريق صفحات الكتب – أنه كان ضوءا عبر الأرض لا مجرد إنسان ، كان مشروع جمال لم يكتمل ولايهم إن كان سيكون شاعريا أو فكريا .. لم يكتمل وفي أوج تألقه خُطف من علو ّ ، كنت أحدث نفسي .. لو اكتمل وحسب وأمهله الوقت والموت وإذ بي أقع على مقطع مرئي نادر مسجل له في زوايا أحد المستشفيات وهو موصول بالأجهزة يقول فيه : ” عندي شعور أنو حققت شيء من حلم قديم أن لا أمر على الأرض بدون أن أترك أثر ما ، أما أن يكتمل الأثر أنا من زمان تنازلت عن فكرة الكمال فشيء شيء كامل لا الي كتبتوا ولا الي بدي أكتبوا …. ” ، أعدت ُ هذا المقطع كثيرا وفي كل مرة كنت أقول أني أحبه ، هل يمكن لشخص يعرفه أن لا يحبه ، إنه كحلم .. والقليل من يمكن أن يدرك قيمته ، وأي إضافة ثقافية هو لنا بكل شموليته المعرفية وأخلاقيته النقية وعبقريته الفنية التي لا تتوفر إلا للعظماء .

في هذا النص المذهل تماما للبحر والطفل من كتابه “الضوء الأزرق” المتألق بجدّة في التصوير لم أجدها في أي نص أدبي ، أتذكر جيدا حين قرأته للمرة الأولى ..

هل يمكنك أن تتلمس الجمال ممزوجا بالمعاناة والعبقرية ، المواجهة للماضي فيه .. الطفولة المطمورة كيف تفجرت واتحدت بأصلها الأزرق ، كيف تمظهر اللاأمان والذبح والألم والنفي والإقصاء في كمية الغضب الهائل كعصف الموج ويعود الاثنان واحد والمنفيّ للأصل ويتحد ؟

ولا أبلغ من تعبيره عنها : ” بدأت أرى الجنون ويحل لمن يرى عمقا كهذا أن يعيد صياغة نفسه ”  ، فيتحول العمق إلى العلو ( البئر إلى سلّم ) ، أليست تراتبية منطقية تحق لها ؟

 

 

توقفت حينها عند هذا النص بالذات من الكتاب ، لأول مرة يبكيني نص ما دون أن يصدمني بمباشرته ، عمقه المخيف نقطة وعي في وسط عتمة غائرة متجذرة ، حينها وحسب تعرفت على حسين للمرة الأولى وعرفت أنه ليس كأي كأديب ولا فيلسوف ولا مفكر .. بل ولا أي انسان هو تماما كما قال مرة:

نحن استثناءات الزمن العادي خلود اللحظة عبر ملايين السنوات ” .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة صغيرة : الأغنية في بداية الفيديو بعنوان “رصيف المدينة” لــ جميل السائح، ومن كلمات البرغوثي.

الأحد ، 14  رمضان 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s