الألم هو أعلى درجات الذاتية وفيه نرى أكمل تعبير عن الباطنية
كيركجارد *

أحياناً تعلق في نقطة.. نقطة تلتقي فيها مع الآخرين ، تأتي مصادفة أو بعد بحث وتقصي ، تشعر بعدها أنّ طريقا ًغريباً مغوياً يمتد وكلك مشدود لاكتشافه ، هذا أنك تريد أن تتفحص إلى أي مدى ما تعانيه و تختبره هو مطابق للآخر ، قابل للقسمة.. ما تشعر أنه ذاتي و جزء حميمي منك على آخرين بطريقةٍ ما سبقوك في زوارق خاضت هذا الدفق الهائل قبلك، إلى أيّ مدى يمكن أن نتشابه ونضع أكثر من يدعلى ذات المنفذ أو الندبة ..
تظنها كذلك ؟ ماذا لو كانت وشم ضوء ؟ أو حاسة جديدة تقودك إلى الحدس .. بما هو وراء حيث لا يعبر هناك إلا القلة ، في كتاب ” البعيد ” للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس استوقفني قوله :

” فكل ما أحببت
أخذه مني الجنون
و الموت ” * ..

من سقوف عالية أعود إلى ذات الأرض ، الأرض التي تهبك الأزهار .. يمكنك أن تحب الأزهار لا أن تقطفها ، وحيث هي هناك فإنك لا تتمكن من استبقائها ، متمنّعة وهاربة ، تغادرك في لحظة الالتفاتة ، والأرض حيث وضعت قدمك .. هي معابر تُسلمك إلى أخرى ، لا يمكن للقلب وحده أن يُوقفك على توزان مريح ، والذهن الحاضر .. هو مسرح الجدل على الدوام ، جدلية تمزقك رغم هدوئك الظاهر، العقل سابحاً في نوره الخالص الذي تُغذيه أنت .. تحول دونه ودون النداء ، لتكمل شيئاً من ألوهة تنقذك إذا ما انفتح الجسر تحتك ، قرأتُ الأسبوع الماضي كتاب ” عزاء الفلسفة ” لبوئثيوس .. أخذ مني الرتم العالي وأحالني إلى البطء ، أفلت يدي من التشبث وكأنّ منظرا ً جديدا ً يتفتح أمامي ، لم يكن الوجود بهذا التجريد من قبل ، الصحراء بقدر حيادها النزيه لم تكن أكثر صرامة في هذا منه ، أنت الذي لا يكفيك الواقعيّ نُزع منك الواقعي ، الذي لا يكفيك البسيط و القلة سُلبت منك فأصبحت فقير القلب و كل خطوط اليد ملأى !
الفولاذ لا يتهشّم بالرقة في الإنسان ، لا يلين ولا يستجيب وكذلك الحقائق ، كذلك الحياة، ” العزاء ” بقدر ما يُحيلك إلى المواساة حسب قصده ، بقدر ما ينحرف بك إلى اليأس، فإثبات العزاء في نفسك بكشف ستار الزيف عن الأشياء والقيم .. يُحيلك إلى التخلي ،بطريقة ما عبر بي إلى حالة من اليأس بدل أن يأخذني إلى ما أراده ،اليأس بداية جيدة .. يهبك أرضاً ثابتة على الأقل و إن كانت خالية ، إلا أنّ هناك ما يمكن تخطيطه ، البدء منه .. وإن كان فراغا ً ! فمسكنات الوهم ممرضة ، هل كنّا نخاف المرايا ؟
اليأس هو تصالح معها ، معبر جديد تتخطاه دون أن تخشى على الوتر المشدود داخلك ، لا شيء سوى الغناء ، لم أعد أخشى سوى فقده .

هكذا قادني ذلك إلى أن أقرأ كتب سيوران المركونة منذ أشهر على الرف ، ربما هذا الأمر بالذات .. أن أختبر اليأس ، أخذت أقرأ .. بتمهل ، كمن يتأمل و يتذوق ويفكر ، السوداوية الطافحة ، العدمية ، العبثية المبسوطة ، انهيار كل أشكال العزاءات ، الأخلاقية والجمالية والدينية ، حقوله معتمة.. فما يكتبه بقدر ما هو جميل ينفذ فيك – بقدر حساسيتك الشاعرية – بقدر ما هو شائك ومسيج باللعنة حيث اللا أمل ، لم أستطع أن أكمل ” غسق الأفكار ” مزعج و مستفز و لئيم لمن لم يعتد أسلوبه مثلي ، فتحولت عنه إلى “على مرتفعات اليأس ” .. لازلت في بداياته ، إلا أنه لمسني تماما ً..
ينبثق الشغف بالعبثية عند الفرد الذي أُفرغ من كل شيء .. هذا الشغف الملاذ الأخير لمن خسر كل شيء ، أي سحر يمكن أن يُغويه ؟ ” .. يمكن أن نقول أنّ هذا الكائن العدمي الرافض لكل أشكال الوهم بقدر تطرفه إلا أنه يصدرعن نبل والتزام حقيقي، لأقل عذاب صادق ، تقاطع فيه فكره وحياته فقد عاش ما يُنظّره إن التفتنا إلى سيرته ،” كانت الحقائق بالنسبة إليه نابعة من التعذيب الداخلي و ليس من مجرد التأمل المجاني ، فمن يفكر من أجل متعة التفكير هو في الجهة المقابلة لمن يفكر تحت تأثير لا توزان حيوي، أحب الفكرة التي تحافظ على مذاق الدم واللحم وأفضّل ألف مرة تبصرا ناتجا عن هذيان حسيّ أو انهيار عصبي على التجريد الفارغ ، إن صرخة يأس واحدة هي أكثر دلالة من أحذق جدل فارغ ” ، ” وحدهم الموجوعون قادرون على أصالة حقيقية ” .. نزعٌ آخر كقوله :
الفلسفة هي فن حجب الأوجاع و العذابات ” ..
هناك فائدة في الانغماس في عوالم هؤلاء ، بوئثيوس الذي كتب كتابه وهو ينتظر الإعدام ، أيُّ قوة للعقل في واجهة الموت ، و سيوران المختزل في : ” الشعور بالأبدية السلبية لحياتي .. أنا ميت ولم أبدأ بعد” يثبت لك على الأقل أنّ ما تعيشه ليس جنوناً مجانيا ً، ليس تذكرة لعالم يمكنك أن تمزقها و تتغاضى عن هذا الجمر النائم تحت الجلد ، أن تقول : لا .. مرةً واحدة لينتهي الأمر، ما يبدأ داخلك هو صوت لإن تفعل.. تُتابع ، بعض هذا اللهب قادر أن يصنع شيئاً ، شيء ربما أنت نفسك تجهله حتى هذه اللحظة ، اليأس الكامل بكل جماليته و سواده الأصم ، الذي تصفعك به الحياة مرة إثر مرة ، تعتل و لا تموت .. يذهب بعضك ويبقى الآخر وبقدر ما تشتهي أن تعجنه بكل ثابت سماوي لتُقيمه ، تُسابقك الريح فتلقي به في طرق لا تعنيك ،
لا إجابة لديّ .. إنما هيَ حيرةٌ مطلقة ، لكنَّ هذه الحرارة الغائرة التي تُرافق عمقك و شرودك بعيدًا عن استقامة الخط لا يمكن أن تظل في دائرة رمادية ، لابد أن تأخذ شكلها يوماً ما ..
و إن كان اللا شكل ، لذا أفادتني القراءة لسيوران .. و كأنها تجعلك تشعر بكل كسورك ، و بقدر الألم تكون الإفاقة فاعلة ، بتَ تفهم الآن أنك لستَ معتلاً بقدر ما أنت مبصر .

نوال ماجد
الاثنين ، 16 صفر

أضف تعليق