الكلمات ..
الكلمات التي تصقلها فتصقلك.. تفتح ما انسدّ في داخلك، ما توارى خلف بعيدك وما خَبَا في القريب، الكلمات التي تعلم أنها تحمل صورتك الملأى بالشمس والظل ونكهة الأخطاء والفرح، الكلمات التي تعلم كم ستشع لو أنك قطفتها من قلبك، ستعكسك المرايا.. ستراك بوضوح، الكلمات التي تريد قولها ببساطة أو بأشد الطرق صعوبة أو بأسلوب مغاير لما اعتدت أن تسيل فيه ، أن تسندها على فكرةٍ صلبة .. وأرض تنبض بك، الكلمات التي تعلم كم تضيء لو أنها أفاقت في ليلك الخاص، عزلتك المرئية وقمرك المراقب، تقول أشتهي أن أراني .. أراني أكثر، أجلس بقربي ، أفتش فيَّ .. عنّي ، دون صوت الآخرين، دون أي نأمة للشارع المجاور ..
دون أي خطوة لا تعلن صلتها بي كلما شقت طريقها بي أو بدوني، تلك إشارة عالية !
هل كان الداخل في غيبوبته بكل هذه الضراوة والصعوبة..
تهمس أعلى فأعلى .. تشعل المصباح على مكتبك الطافح بالأقلام والأزهار والأوراق والشموع والملاحظات الملصقة والملونة وألواح البروتين والصور الصغيرة و … تتكدس كتب الشعر والفلسفة، أمدد قدميّ فوق درج الطابعة أدقق في كل نص أكتبه ، أشطب / أضيف / أنصب جسراً خفياً أهدم آخر، أقذف ببعضها لسلة المهملات والرداءة ، أعيد التفكير وقلب الأشياء وعكس ما أخذ دربه الصافي إلى رأسي .. أزيح الكتب، أعيد ترتيبها وكلما فعلت تفاجأت بعد أيام بتراكم المزيد والمزيد وكأني أقفز من مرتفع لآخر ، لا تعرف هل يُلائمك الالتئام أم التشظي .. بالأصح ما الذي يُلائم مزاج آلتك الكاتبة ؟ لكنك متأكد في الحالتين أنَّ ما يهمك أن تستيقظ فإذ بكَ حقلاً تميل فيهِ الطير على قصب النايات وتخدش الفراشات هواؤهُ وهواه بالنور وجمالياتٍ صغيرة.. صغيرة لا تضر سواك.
الهواجس التي تزاحمك عليك.. غيوماً تحيط بجبالك وتحط فوق يقينك دائرة.. دائرة حتى تختفي وتخلف كدرك الرائق وكأنه زجاج يتماثل للصفاء ويعجز ، تماماً كما تحاول أن تتجاهل بقعة الفول السوداني أو القهوة التي أفسدت بياض ورقة كتبت عليها وتفشل ، هل عليك دوماً أن تلقي دوافعك على محك الحقائق، هل الرضا ضياع والشك ضرورة ، أحياناً تتراجع عن سطوح بحيراتك خشية أن توقظ النرجس و تغريه وأحياناً أخرى تُعاودها كالمنوّم بجنونه ، تشعر بما يخزّ عروقك، يؤزّ تحت جلدك، يزعج روحك وضميرك الصباحي، وهاجسك اليومي ، يعلن عليك تحديه في كل لحظة تكتب، كل لحظة تتدفق.. حتى سأمتَ وقررت التوقف لتتفحصه وتحقق في خواطره.
أيّ منها أنت ؟
إني جماعة لا آخر لها ، قبائل الأصوات والطوابع المتناقضة الضائع داخل رأسه ، المعمّد في الوقت الذي لا ينتمي إليه ، الماشي أبداً إلى الخلف أو الأمام .. لا يوافق لحظته ، كلما جرته السفوح أو الذُرى عاد إلى منتصفه بكل حياده الأبيض أو الرمادي الذي يذره كيفما اتفق على أي طاولة للمعتقد أو الفكرة، وكلما تصالحتَ مع الآخر تخاصمتَ معك ، ليس رضاهم بل رضاكَ أنت.. ذاك الذي تركض وراءه وكلما وصلته تباعد كسراب بأرضٍ خالية تحسبه نهرك فإذ به ينقلبُ ظمأك الذي لا ينطفِئ .
بأيّ رحى تُديركَ نفسك وأيّ من كل هذا حقيقتك التي خبأتها ذات يوم متجاهلاً ومضيت، ثم ها أنتَ الآن تجلس تقيّم الأشياء بهدوء تُجلس الدنيا على أصابعك و تفكر .. أين تضع نفسك فيها ؟ ثم تبتسم لو كان الأمر بهذه السهولة ، أسحبُ ظلي من كل الأشياء حولي ، قطعة شوكلاتة صغيرة وسيتحسن الأمر .
8 / 7 ، الاثنين .