” الشاعر إذا كان شاعراً حقيقياً يجب أن يكرر على نفسه باستمرار : لا أعرف ، ويحاول أن يجيب على ذلك بكل عمل من أعماله ، لكنه حالما يضع نقطة تعتريه حيرة ثم يبدأ بإدراك أن هذه إجابة مؤقتة ، غير كافية إطلاقاً ، لذلك يحاول مرة أخرى وأخرى ، وبعدها يربطون هذه الأدلة المتوالية على عدم رضاه عن نفسه بمشبك كبير ويسمونها نتاجاً أدبياً ” *
.
قبل سنوات كنتُ أحلم أن أكتب ما يسع العالم ، أما اليوم فإني أريد ما يسع نفسي وحدها ، تلك الضفة التي لا تلتقي بالضفة.. استحالة عرفتها فعرفت مكمن الصدع و النارِ التي تُوري ، بقدر الألم يتسع الخيال ، بقدر الخيال يتسع الشعر ، بقدر الشعر يتسع الجمال ، بقدر الجمال يتسع العالم ، أكان العالم منذ البداية ينهضُ من الألم ؟ إن كان ممارسة جمالية.. أضعُ الشرط أتأمله، وأنا أجلسُ إلى جانبه أخيراً و أتكئ إلى جداره ، نحن نحدق في الإتجاه ذاته، الكبرياء يشدُّ الجهات ولا نلتفت..
أما كان القلبُ قلباً من الإلتفات ؟
أما كان المطر يُعاند علوه ويكسر قالب الغيم ..
فصار الحياة ؟
أجيب : ” لا أعرف ” ، لا أعرف أيضاً إن كانت تلك الأمراض في حكايا دوستويفسكي وماركيز ونشيد رامبو ونيرودا ولوحات غويا هي الرداءة في أوتار الروح أم هيَ أيضاً وجهاً متسللاً من وجوه الحياة ، أعود إلى ذات الشَرَك وأقول : ” لا أعرف ” ولأني لا أعرف لا زلتُ حياً ولا زلت أكتب ، وأتعلم ..
أتعلمُ أن أكون حقيقياً في عالمٍ غير حقيقي ، أن أُخرجَ الكلمة من موت الكلمات الطويل، تصطكُّ في الخفاء تصدر أجراسها يهتز ثبات الأرض في نفسي فأعود أبحث عن قاموس آخر ، أضعتُ نفسي ثم وجدتها ، أضعتها أخرى فوجدتُ الكلمات ، كان الضياع أول أبوابها..
” أن تضيع ، كي يعثر الضائعون عليك ” ** أضعتها متقصداً رمية النبل ، أبحث عن أشباهها في الظلال ، الكلمة تسع نقيضها تماماً كما تسع نظائرها ، أشكّل وجه الصباحات بمفردة تبدأ من خانة الصفر والمحاولة ، هي قفزة باتجاه الوصول .. صرتُ أنام أهدأ ، أقلقُ أقل على خطوط الشوارع ، لكني أضع فعل المضارع في سياقه ، بعد كل حقيقة تصقلها تشكّ ، بعد كل بناء تُعليه تنهدم .. تُحيل الفوضى مسرحاً للتجربة ، بأداة محو أو فلسفة أو خيال يجرحك بقدر ما انجّرح زجاجه وهو يشفّ أو يعمى ،
بحيرة الساحرة تنفتحُ للأطفال ليلاً ولقلم الرصاص في يدك.
21 / 10
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*شيمبورسكا
**عبدالله الناصر