سماء صغيرة ..

( 1 )

يعود البحر إلى ذاته ..
ينغمر القمر في مائه ،
أفيقُ أنا !
بكل حواسي التي تفتحت للتو
كل بداية .. هيَ أكثر من بداية ،
هي أمنية
و جرس ونداء ،
هي أكثر من ذلك ..
هي َ أنت .

( 2 )

كل منّا مرآة ..
لحوادث وأيام وعواصف وحب ،
كل منّا يأخذ أحياناً الطريق الجانبي
قبل الجسر ..
لئلا يواجه الليل متلبساً بمخاوفه ،
كل منّا يعود يوماً إلى ..
نقاط البداية وأنشودة الطفل الصغير

-قفزاته وعيناه التي تجول كواكباً غير مرئية –
ليتحسس نفسه ما قبل ندوب القراءة
والركض باتجاه العمى الآخذ في المحو البطيء ،

لا تُردد أي مانترا
ولا تصدق أي حكمة ،
صدق نفسك وما يهجس في قلبك
عند اندلاع أسئلة العتمة وتخفّف الضوء من أجناسه ،
عند انزلاق السماء على بابك الموارب ،

مرآتك هي أصابعك ..
هيَ شفافية تخبرك الحقيقة على الدوام .

الجمعة 10 ، ربيع الثاني

فصل أخير ..

يطغى العقل .. يصبح ضوءاً كاشفا ًمسلطاً عليك ، تفقد الأشياء المحيطة أهميتها، الأفكار تتساقط كما يتساقط ورق الشجر عن أغصانه في خريفه الموسمي، وكل لون وكأنه سأم يُضاف إلى المجموعة ثم يمحى دون مبالاة،

تنغمس أكثر في كل ما كان سابقاً يجرك إلى الضجر ..
أن تجد فيه أيقونة خفية توليها شغفك زهراً يتدرج على أطراف الفجر، تُحيل وعيك الذاتي الحاد بهذه الذات المتسعة التي بدأت تضيق عنها وعن الدنيا، تطفئه بقناعة ..
ثم تكون نسيج من أي مجتمع أو هوية أو انسان أو رغبة أو موج، تجرب أن تكون آخر فتتسع عن الحدود التي تأخذك نحو الجنون والسأم والتوقف على درجةٍ لونيةٍ واحدة ، تُفتح الأبواب لأنك تريد.. رغم انعدام أي علامة تحملها و يتمادى النهر في استلاب الضِفاف، العزف المنفرد أكذوبة لاتتحقق إلا أن تملك الموسيقى أرضك بأسرها ..
أرضك التي عليها أن تخلو من السموم، وحكاية القمر الذي سيطل في انتصاف الشهر ولا يطل، تُطفئ النجوم على كفك واحدة ً واحدة ، تتأكد من انطفاء الليل بأكمله .. تُنشئ عتمتك الخاصة أو نهارك الفضفاض ، شمسٌ واحدة غير كافية .. ليل بلا نهائيته غير كافٍ ، هناك ما هو أكثر ،
نحن لا نخلق القدر لكننا حين نناديه يستجيب .

الضجر الحقيقي هو فصل أخير لكل ما مضى ،
حافة لا يليها سوى .. القفز .

الجمعة
3 ، ربيع الثاني

زحام ..

يعبر قطار خارج الوقت ، خارج الذاكرة ..
خارج الممشى من الضوء وصرامة الأسئلة التي تودي بك،
لم أكن داخله ولا خارجه كنت بالضبط ذاك المشاهد الذي يُقيّم الأشياء والأصوات الصادقة رغم عتمتها الظاهرة والمتخفية،

كانت الوجوه والقلوب العابرة من الكثرة حد أني توقفتُ عن المراقبة كان عليّ أن أجد شيئاً حقيقياً، شيئاً أكثر من مصادفة ..
أقل من لعبة للنجاة أو المخاطرة، لا أدري لم َ توقفت الخطوط في يدي عن التشابك وبدأت تأخذ مصيرها في طريق واضحة، يمكنك أن تسمع ما هو قادم بوضوح إن أصغيت بكل حواسك، حواسك التي تجيد الغناء في وقته ، ..

الضجيج عالٍ .. الزحام أجمل في هذا الوقت ،
يُغريك بالتوزان وضده .. له لغته ، جاذبيته الخاصة ،
وطقس مناسب تماماً للإنتباه لفرص ضائعة .. تسقط في روحك مباشرة ،
لم َ لا زلنا نأخذ هذا العالم على محمل الجد ؟
العالم الهش ، المليء .. الذي يتشكل بحسب مزاجنا الوجودي فيأخذ شكلنا ، قناعاتنا ، أصغر تفاصلينا ..
أرسم جبلا ً يتقلد غيمة ، نجمات تتساقط في تتابع أغنية ،
قلبا ً أبيض.. على حافة الرصيف الأخير ، لم يكن هناك شيء يستحق المحاولة ،

و َ ..
أمضي بهدوء .

2 ، ربيع الثاني

أفق ..

الإنسان ليس إلا مشروعه ” .. كما يرى الوجوديون ، هذه الفكرة رغم قسوتها الظاهرة ، إذا حاولت أن أقصي السلب فيها الذي يحكم بانتفاء القيمة عند انتفاء المنجز، هي فكرة دافعة أكثر منها مؤلمة ، الحصى الصغير الذي نرميه في البحيرة لا يهز استدامتها ..
لا يحوّل الماء عن أصله و لا يأخذنا على محمل الجد ، ذاك الدمية الصغيرة الذي يطل من البر .. الساكن في أمانه المزعوم ، هو نحن الذين نتحول إلى نسخ تشبه بعضها ولا تتمايز، جرح كبير تخطه الحياة في ذاتك شبه مرغم، ذاك أنّ الوجود الإنساني يتراءى لي كتواجد زجاجي يسهل تشظيه وكسره وتلك حقيقة أخرى ،

لكن هل نملك أن نغامر حقاً ، هل نملك جميعا ً الثمن ؟
هل يملك الإنسان القدرة ، كامل الكلمة في أفقه ؟
خرجت من طفولتي ، من غلالات ساهمة و أدركت أن ّ هناك أشياء أخرى تقول كلمتها قبلنا ، نتوهم ..
هناك من يفيق، هناك من يذهب قبل أن يدركها ..

أن تفعل شيئا ً يعني أن تغير شيئا ً ” يقول حسين ، أحب كلماته أجد عزاء ً جماليا ً فيها ، أجد نفسي على الأقل ولطالما تساءلت أيكفي طموح الإنسان أن يجد نفسه ويعبر خطاً خافتاً في هذا العالم ؟

حتى الآن ..
لا أجد شيئا ً كافيا لأغلق به هذه المتاهة ،
يشبه أن تمشي وحدك تحت سماء ماطرة كل شيء فصيح بالارتواء سوى هذا اليباس في صدرك ، ذاك الذي يرغمك أن تكون أكثر من مجرد أنت .

25 ، ربيع الأول

تبدو كصلصال .. تشكلها كيف تشاء ، تخلق جنونك الخاص وتهدمه، بحثا ًعن جنون أحَدّ وأقدر على البصيرة خلف نظام الأشياء وانتظامها، تشتهي قطع العِقْد لينفلت ما كان معقوداً منه حول أصابعك، فتنتظم رؤاك في عُقد أخرى..

أفتح البوابة على حلم مرئي، أجاوز نفسي إلى ما بعدها ..
أغمر الكائنات فيَّ في بحار أخرى، وأتنشق هواءً ناضجاً براقاً، ألفُّ أصابعي على عالم لا يحتوي الخونة، ولا اللصوص.. ولا أدعياء المظهر الواحد المتعددون ما إن تنطوي الورقة، سئمت الرماد في كل صوره المتحولة في البشر والأفكار والواجهات الشعرية لسواقط الطريق والحياة، نرتكب ذات الحماقة في التكرار، حتى أنني كففتُ عن اشتهاء الكتابة، قلَّبني السأم في ليلٍ طويل فهجرت كثيرا من الشبابيك الفقيرة وعدت إلى نفسي مجردة، الكتابة تعشق الضِفاف أو المجرى.. شرط أن يكون الحلم أول النهار أو آخره، جسوراً تنشقُ من العدم أو تتكسر لتهوي داخله، دوياً يأخذ بعض صفات القيامة لكنه ينبتُ كالزهر، غير أني في هذا الوقت لا أملك النهار ولا غيمة واحدة تتسلق المنتصف من سمائي.

أُمِيل هذا الغصن الواطئ .. أقتطفُ أعشاشاً بقيت لأطيار هاجرت ، أنثرها للريح ..
هناك ما يأتي حين لا نتوقعه، يختبر ما في الروح من خمرة الضوء، يأتي متأخراً ، حين ننساه تماماً.

18 ، ربيع الأول

الجميع نائم ..
البيت هادئ ، ليل يتكور على نفسه و يُقاوم نعاسه،
وحدي ، ..
فتحتُ الكتاب على منتصفه وقعت على هذا السطر :
القطط رفاق لنا في البلاد الغريبة ، قلت : وما تلك الأرض الغريبة ، قال الحياة ” *
رفعت عينيّ فجأة فإذ بقطة أختي تتجه نحوي .. ابتسمت للمصادفة ،لأول مرة منذ أن أحضرَتَها أفكر بمناداتها ،

لدهشتي اقتربت بهدوء حتى أراحت رأسها على يدي ،
مسّدت رأسها قليلا ً ثم عدتُ إلى الكتاب ، لكنها اقتربت أكثر و داعبت أنفي بأنفها ثم ابتعدت ، عدتُ لأول الصفحة فإذ بحسين – بلغته الرمز – يقول :
.. القطة ليست من الآلهة ، قال : القطة عالم ، مثل زيوس ، والشواء قربان الدخول ،
قلت لم أفهم ، قال في وطنه لا يحتاج لأقنعة ، قلت وهنا ؟ خذ وطنَنَا وطناً ، قال هنا
لا تحتاجون لوجوه ، وسألته عن وطنه فتكلم عن نخيل و شواطئ مقمرة ، و سفن غير
آمنة ، ورعاة نرجس و إوز ، وقال اسمع ، إن أردتَ الوصول إلى وطني صِر قطة ..
” *
أهيَ إشارة أم لمسة البعيد .. من روح نقيّ ،

ذهبَ حبي لكثير من الأشياء حولي ، لكني لا زلت
أحب .. حسين والقطط .

18 ، ربيع الأول
3 فجراً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاقتباس : حجر الورد ، حسين البرغوثي .

ما قبل حدود الزُرقة ، والشكل والحدس ..

حين تتعمق في الكلمة
تبتعد عن السطوح التي يضجُ فيها الآخرون ،
تبتعد وحدك .. يُفلت وشاح أخير يربطك بما ترى ..
تنزل .. درجات
تمس نتوءات .. لا يفهم لغتها سواك ،
غارقة في المعنى والعدم .. التضاد ،
الخلق المفتوح لتشكلك ،

غارقة في الليل ..
في السديم الرقيق ،

تتهَجَّى ..
يعبرك وَمْض ..
تعبرك سماء ..
تسقط بعض أقمارك
تنبتُ أخرى

تغرق وحدك ،
أكثر ..
فأكثر
يُوجعني ما لا أرى ،
ما لا ترى ..

ما أعي أنه حقيقي أكثر من كل حقيقة مرئية ،
و ذات صوت ،
لكنه لا يملك صوت
وحدي أسمعه .. وأتحسس غربته ،
لكنّ الجسور تعيدني .. قبل أن ينتصف الطريق إليه .

17 ، ربيع الأول