كل حرف منتصب النداء .. كلمة كل كلمة تختارك .. باب كل باب ينفتح لك .. يُفضي إلى إنسان أو وطن أو حكاية ، كل حكاية قد تطول أو تقصر .. لكنها كل مرة كل مرة .. تنتهي ، كل نهاية تقودك أخرى إلى بداية ، وتعود الدائرة تكتمل ، تشتهي كسرها عميقا ً بسماء ، بغصن منتثر الخُضرة ، بعمود نور و رخام .. يتشكل على يديك .. يديك النقيتين ، ثم تضع في مفترق الكلمات تماما ً..
لماذا أسقط دوماً في ذات البئر ، لماذا تتوالى الأبواب .. دونما اتجاه أو عناوين .. لماذا تُضيع قدماي الخطوة ، و تُضيع الخطوة الرمل ، و يُضيع الرمل مِسَاس وطنه الأول .. و يلجأ للريح ،
تأخذ الريح بعد ذلك لون القرنفل وأوشحة النايات و نشيد الرعاة ..
للبئر نداء لا يصدق ، رغم ذا نلصق الشمس بالجبين ونركض بكل اليقين الممكن
أبدّل الأسماء كل مرة .. أرشق بالحجارة كل ثابت وأغني ، أغني للإنسان الذي لم يولد أغني للإنسان الذي أشتهي أن يولد ،
أقيمُ جداراً هائلاً في وجه الليل و أبدد الكثير من الأطفال والأزهار بانتظاره .
كل ما كان يهجس بالماءِ والغناء ، هو بسيط .. بساطة المنفتح على أناه و الممتنع على غيره ، تجد فيه للعذوبة سرياناً خفيفاً فيمرك كما تمرك سحابة صيف، يصعد في سماءٍ وحده تلقاء القلب حتى يتخذ مكانه ، فتتذوقه ارتواءً إثر فصول اليباس ، أنت العارف بحلاوة حرف.. ابتلَّ ضوءًا ،
حديقة ٌمن الغيب تتنزل .. حتى تكون ملء هذا المكان .
كنّا سابقاً نقول إنَّ خصوصية الفن تكمن في مدى اختلافه عن الحياة اليومية والتذوق الشائع والقيم والأفكار السائدة …
واليوم يُقال العكس: خصوصية الفن هي في ائتلافه، لا يبتكر جديداً، لا يزعزع أنظمة قائمة، … لا يحرك في اتجاه المعرفة والكشف، و إنما هو مع “الجمهور” وفي مستواه.
هكذا يغيب اليوم “علم الجمال” في الفن، ويحلّ محله “علم التوافق” مع ثقافة الناس وأذواقهم ورغباتهم.
لا يكمن عمل خلّاق إلا بنسقٍ حر و تحرر دائم ، لكني قبل أن أنظر إلى خارجي أنظر إلى الداخل ، كيف يمكن التحرر من الذات ؟ و أقصد بها الذات القديمة ، الجسد المرضوض ، والذاكرة و البواعث المعطوبة إياها التي أبطلتها التجربة، والمكرور من المفردات والغابات وما تلاقى فيها من الضوء والعتمة وما بقيَ على الحياد ، إلا بهدم طويل ، متأنٍ ، صبور ، إلى جانب ذاك الحاجة إلى فعل متجدد ، يبدلُ نفسه كلما تشابه ، ونسيان يفتحُ طريقاً للأفق داخلاً خارجاً فينا ، نسيان يُخرج نرسيس من مائه و يُحيله إلى مرآةٍ أخرى .
( 2 )
ذاك الذي لا ينتمي إلا إلى اللغة ، الواقع امتداد لها لا العكس ، يكتب احتفاءً بالضوء والخصب، يمارس إقصاءً للفقر ويهب للمخيلة بيتاً، عندما كان طفلا ًظلت أمنيتهُ أن يمتلك ” بيت شجرة ” كان يحب ما هو معلق ومنعزل، أن يقترب من السماء قليلاً ، يهرب إلى عالم سريّ لبضع ليالي، يهرب من الرداءة والحدّة والسِهام التي كانت فوق احتمال طراوة الطفولة، لم تتحقق.. فظلت ندبة ًصغيرة وبعض اشتهاءات مطموسة، وظل يرى الحياة كما هيَ .. منفى، لا بيت يفيء إليه، ظل يشعر أنه منقوص في جزء منه، جزء لا يملأ نقصهُ شيء ، كبر عرف أنه بالإمكان إنشاء ذلك في مكان آخر، فيتصل بموضعه في واجهة اللا متناهي، يقطفُ ما شاء من النجم، ويأخذ مكانه حيث يصيرُ ضوءًا يظل، و إن كان قدره العبور
” كان الفيلسوف الرواقي يقول : الكون قصيدة ، … و التحية هنا لريلكه الذي كان يقول : النشيد وجود ” * .
أحياناً تعلق في نقطة.. نقطة تلتقي فيها مع الآخرين ، تأتي مصادفة أو بعد بحث وتقصي ، تشعر بعدها أنّ طريقا ًغريباً مغوياً يمتد وكلك مشدود لاكتشافه ، هذا أنك تريد أن تتفحص إلى أي مدى ما تعانيه و تختبره هو مطابق للآخر ، قابل للقسمة.. ما تشعر أنه ذاتي و جزء حميمي منك على آخرين بطريقةٍ ما سبقوك في زوارق خاضت هذا الدفق الهائل قبلك، إلى أيّ مدى يمكن أن نتشابه ونضع أكثر من يدعلى ذات المنفذ أو الندبة .. تظنها كذلك ؟ ماذا لو كانت وشم ضوء ؟ أو حاسة جديدة تقودك إلى الحدس .. بما هو وراء حيث لا يعبر هناك إلا القلة ، في كتاب ” البعيد ” للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس استوقفني قوله :
” فكل ما أحببت أخذه مني الجنون و الموت ” * ..
من سقوف عالية أعود إلى ذات الأرض ، الأرض التي تهبك الأزهار .. يمكنك أن تحب الأزهار لا أن تقطفها ، وحيث هي هناك فإنك لا تتمكن من استبقائها ، متمنّعة وهاربة ، تغادرك في لحظة الالتفاتة ، والأرض حيث وضعت قدمك .. هي معابر تُسلمك إلى أخرى ، لا يمكن للقلب وحده أن يُوقفك على توزان مريح ، والذهن الحاضر .. هو مسرح الجدل على الدوام ، جدلية تمزقك رغم هدوئك الظاهر، العقل سابحاً في نوره الخالص الذي تُغذيه أنت .. تحول دونه ودون النداء ، لتكمل شيئاً من ألوهة تنقذك إذا ما انفتح الجسر تحتك ، قرأتُ الأسبوع الماضي كتاب ” عزاء الفلسفة ” لبوئثيوس .. أخذ مني الرتم العالي وأحالني إلى البطء ، أفلت يدي من التشبث وكأنّ منظرا ً جديدا ً يتفتح أمامي ، لم يكن الوجود بهذا التجريد من قبل ، الصحراء بقدر حيادها النزيه لم تكن أكثر صرامة في هذا منه ، أنت الذي لا يكفيك الواقعيّ نُزع منك الواقعي ، الذي لا يكفيك البسيط و القلة سُلبت منك فأصبحت فقير القلب و كل خطوط اليد ملأى ! الفولاذ لا يتهشّم بالرقة في الإنسان ، لا يلين ولا يستجيب وكذلك الحقائق ، كذلك الحياة، ” العزاء ” بقدر ما يُحيلك إلى المواساة حسب قصده ، بقدر ما ينحرف بك إلى اليأس، فإثبات العزاء في نفسك بكشف ستار الزيف عن الأشياء والقيم .. يُحيلك إلى التخلي ،بطريقة ما عبر بي إلى حالة من اليأس بدل أن يأخذني إلى ما أراده ،اليأس بداية جيدة .. يهبك أرضاً ثابتة على الأقل و إن كانت خالية ، إلا أنّ هناك ما يمكن تخطيطه ، البدء منه .. وإن كان فراغا ً ! فمسكنات الوهم ممرضة ، هل كنّا نخاف المرايا ؟ اليأس هو تصالح معها ، معبر جديد تتخطاه دون أن تخشى على الوتر المشدود داخلك ، لا شيء سوى الغناء ، لم أعد أخشى سوى فقده .
هكذا قادني ذلك إلى أن أقرأ كتب سيوران المركونة منذ أشهر على الرف ، ربما هذا الأمر بالذات .. أن أختبر اليأس ، أخذت أقرأ .. بتمهل ، كمن يتأمل و يتذوق ويفكر ، السوداوية الطافحة ، العدمية ، العبثية المبسوطة ، انهيار كل أشكال العزاءات ، الأخلاقية والجمالية والدينية ، حقوله معتمة.. فما يكتبه بقدر ما هو جميل ينفذ فيك – بقدر حساسيتك الشاعرية – بقدر ما هو شائك ومسيج باللعنة حيث اللا أمل ، لم أستطع أن أكمل ” غسق الأفكار ” مزعج و مستفز و لئيم لمن لم يعتد أسلوبه مثلي ، فتحولت عنه إلى “على مرتفعات اليأس ” .. لازلت في بداياته ، إلا أنه لمسني تماما ً.. ” ينبثق الشغف بالعبثية عند الفرد الذي أُفرغ من كل شيء .. هذا الشغف الملاذ الأخير لمن خسر كل شيء ، أي سحر يمكن أن يُغويه ؟ ” .. يمكن أن نقول أنّ هذا الكائن العدمي الرافض لكل أشكال الوهم بقدر تطرفه إلا أنه يصدرعن نبل والتزام حقيقي، لأقل عذاب صادق ، تقاطع فيه فكره وحياته فقد عاش ما يُنظّره إن التفتنا إلى سيرته ،” كانت الحقائق بالنسبة إليه نابعة من التعذيب الداخلي و ليس من مجرد التأمل المجاني ، فمن يفكر من أجل متعة التفكير هو في الجهة المقابلة لمن يفكر تحت تأثير لا توزان حيوي، أحب الفكرة التي تحافظ على مذاق الدم واللحم وأفضّل ألف مرة تبصرا ناتجا عن هذيان حسيّ أو انهيار عصبي على التجريد الفارغ ، إن صرخة يأس واحدة هي أكثر دلالة من أحذق جدل فارغ ” ، ” وحدهم الموجوعون قادرون على أصالة حقيقية ” .. نزعٌ آخر كقوله : ” الفلسفة هي فن حجب الأوجاع و العذابات ” .. هناك فائدة في الانغماس في عوالم هؤلاء ، بوئثيوس الذي كتب كتابه وهو ينتظر الإعدام ، أيُّ قوة للعقل في واجهة الموت ، و سيوران المختزل في : ” الشعور بالأبدية السلبية لحياتي .. أنا ميت ولم أبدأ بعد” يثبت لك على الأقل أنّ ما تعيشه ليس جنوناً مجانيا ً، ليس تذكرة لعالم يمكنك أن تمزقها و تتغاضى عن هذا الجمر النائم تحت الجلد ، أن تقول : لا .. مرةً واحدة لينتهي الأمر، ما يبدأ داخلك هو صوت لإن تفعل.. تُتابع ، بعض هذا اللهب قادر أن يصنع شيئاً ، شيء ربما أنت نفسك تجهله حتى هذه اللحظة ، اليأس الكامل بكل جماليته و سواده الأصم ، الذي تصفعك به الحياة مرة إثر مرة ، تعتل و لا تموت .. يذهب بعضك ويبقى الآخر وبقدر ما تشتهي أن تعجنه بكل ثابت سماوي لتُقيمه ، تُسابقك الريح فتلقي به في طرق لا تعنيك ، لا إجابة لديّ .. إنما هيَ حيرةٌ مطلقة ، لكنَّ هذه الحرارة الغائرة التي تُرافق عمقك و شرودك بعيدًا عن استقامة الخط لا يمكن أن تظل في دائرة رمادية ، لابد أن تأخذ شكلها يوماً ما .. و إن كان اللا شكل ، لذا أفادتني القراءة لسيوران .. و كأنها تجعلك تشعر بكل كسورك ، و بقدر الألم تكون الإفاقة فاعلة ، بتَ تفهم الآن أنك لستَ معتلاً بقدر ما أنت مبصر .
كنت في أحد المقاهي .. الجو فيه غنيّ بما يأسر حِس من يمر على الأشياء برهافة ، صوت هذه المعزوفةيُعبئ الفراغات المُتبقية على السطوح لأصحابها ، رغم الجميع شعرت للحظات أني وحدي ، الليل يحفُّ ارتباك الخطى والضحك والأحاديث الهادئة .. و كل ما يسقط منّا ، روحي تهربُ وتغيم فيه ، أردتُ أن أبقى هكذا دون أن يقاطع الذي بيني وبيني أحد ، يمكنني البقاء برفقة الليل دون الحاجة لرفقةٍ مُضافة، تسكين التفاصيل بما يشبه الغناء وترتيبها، لو أخبرتك بما يكون كالضياع في عاصفة الورد ، سِلال قُطفت دون انتهاك الضوء .. دون حرقةٍ من أيّ نوع ، عدا ما للغربة والغرابة من ألوانها، كم أنت بسيط حد سوء الفهم ، كم أنت شفيف و رقيق حد أن لا تؤذي سوى نفسك ، كم أنّ هذا الموج يعلو بك و بدونك.
لم َ لم تأخذ البيوت شيئا ً من ملامحنا قبل رحيلها ؟ لمَ يرقُّ القلب وكأنّ حفيف ملاك مسّه للتو ؟ لمَ تشعر وكأنك تحنُّ لأحد أو لشيء أو مكان.. لا تعرفه لكنه يعرفك ،حد أنّه سبر كل تضاريس روحك وأنامك على ذراعه ، فغفى التعب دون أن يزيح خصلة شعر لا زالت تستدير على جبينك ، منسيّ ومُعافى من الدنيا و ظِلال من عبروا ، تشعر أنك عاشق غاب في قلبه وهرب به ما لا يراه لكنه يشعُره مِلأ َالحواس ، هناك من يناديك همسه .. يتكسر صوته في دمك ، هناك ما تحنُّ لمسِه ثوانٍ أخف من مسِّ طائرٍ للصباح على عجل .. ويرتفع ثقل الزمن ، هناك ما لا يغيب عنك لكنك تغيبُ عنه و يجرحك اللا وصول .
أرى روحي.. أراها ، تمس بأطرافها صفحة الماء في ظلمةٍ تُضيء ، تمس نجمة ٌعلوَّ أخرى، يعلو الرقص بما يُوافيك لغة ًلا تنتهي جمالياتها، لكنَّ للبئر ذات البئر أسراره التي تستعصي عليك، تفكُّ رمزاً بآخر، تستعينُ بما لا يُشير إليك حتى تحني الخطوط عائدة ً إلى مسارك، لا شيء يدل أني هنا سوى ظلي، انعكاسات الذاكرة، أعود أغيب في زحام الوجوه، كل وجه حكاية .. للزحام جاذبيته الخاصة لعينيّ متأمّل.. يبحث عن قطعةٍ ناقصة ، هل أمضيتَ ليلة تفتش عنها ؟ لما لا يُسمى لكنه يأخذ كل الأسماء في ثقب إبرة ، تنعزل عن ما يخدش وجه الزجاج في براءته ، لكنك رغم ذا تفيض ، للأصابع حاجاتها ..
يعيدني صوت ينادي باسمي .. إليّ ، أعود إلى حدودٍ تتشابه ، لكن ثمة ليل لا زال في أوله .
” كان لديّ ميراث و مطالب و دعوة لكل حفلة في هذه المدينة ، والآن بفضلك كل هذا اختفى ، و كل ما تبقى … هو الصداقة والحب والعمل الذي أحبه ، أنت َ جلبت لحياتي السعادة ” *
بهذا القول قشّر بعض الزيف الذي يُعمي البشر ووصل إلى الحقيقة التي تهفو إليها القلوب و تُضللها الطرق .. معضلة ” السعادة ” ، القول لــ Phillip Carlyle أحد أبطال الفيلم في المشهد قبل الأخير .. وكأنّ المخرج يسلط الضوء على المعنى الذي يريد للمشاهد أن يتنبه له ، رغم أنّ كل منعطف في الفيلم يُوحي بهذا و بتأثير لذيذ يتكشّف لك تقاطعاً بين الواقع و استحالاته والخيال وممكناته ، ليس مجرد فيلم بل هو قصيدة حُلمية غنائية – منذ الدقيقة الأولى – حتى الندوب فيها ملونة، مشعة كأنها تضعك إن كنت َ بروح فنان وعيني طفل .. في واجهةِ الخيال حيث يجب أن تكون ،
أحببتُ في الفيلم الغِنى.. المرئي والمعنوي والجمالي والموسيقي والإنساني ، يمكنك أن تنظر بعدها لأصابعك المجرحّة وأنت تضحك بامتلاء .. يُشبه حكايةً خفيفة مليئة بالسحر تقفز فيها ملامساً القمر وإن امتلأ قلبك وجيوبك بالثقوب، كصاحب يتكئ على كتفك وأنت تشاهد و يهمس : بحلمك الذي تتشبث به أنت قادر على أن تصنع عالمك بكل ما تفيض به ذاتك من جمال .
لا زلتُ أحب هذه الأغنية من افتتاحية الفيلم ..
لأولئك الذين لا زالوا يحلمون .. ليكون هذا العالم أجمل.